إهداء الرواية
مقدمة
مصادفات قاهرة
حرب في قلب
غرس الحب في القلب
نشوة الغرور
حرب بين النفس والقلب
صرخة مباغتة
عظة في السجن
نقص القانون
Página desconocida
تناظر المنطاد وورقة الشجرة
غرائب القدر
بارقة أمل
الجارة الرسولة
دوي وصدى
التفسير حسب الظواهر
الحية وحواء
تاريخ قديم
سفر التكوين
شيء من التاريخ أيضا
Página desconocida
إحياء الموتى
بين المال والعمل
الاتفاق على مكيدة
التاريخ يثبت بعضه بعضا
حيلة كأنها صدفة
فرار العصفور من القفص
استطلاع أسرار
مصير الفيلسوف
ما أسهل الغدر على الصديق!
تطريق فؤاد صلد
Página desconocida
الضمير المستتر
المفاجأة
مشاجرة الكبرياء والأنفة
كيف اهتدت ليلى إلى يوسف؟
هي تعد وهو يفي
الفصل الرابع والثلاثون
ملتقى الأسرار
إفلات العصفور ثانية
ضمير يدمع
ابن الطبيعة
Página desconocida
لسان الثعلب
مؤامرة رجيمين
قصور في الهواء
العملي غير النظري
الاهتداء إلى الفخ
الزلزال
نصب الفخ
سلسلة الفخ
وتد الفخ
فخ لذئبين
Página desconocida
الفخ من نار
يد من بعيد
زوبعة عواطف
ابنة الزانية
في حضرة إله الحب
أول قبلة
تتمة التاريخ
إهداء الرواية
مقدمة
مصادفات قاهرة
Página desconocida
حرب في قلب
غرس الحب في القلب
نشوة الغرور
حرب بين النفس والقلب
صرخة مباغتة
عظة في السجن
نقص القانون
تناظر المنطاد وورقة الشجرة
غرائب القدر
بارقة أمل
Página desconocida
الجارة الرسولة
دوي وصدى
التفسير حسب الظواهر
الحية وحواء
تاريخ قديم
سفر التكوين
شيء من التاريخ أيضا
إحياء الموتى
بين المال والعمل
الاتفاق على مكيدة
Página desconocida
التاريخ يثبت بعضه بعضا
حيلة كأنها صدفة
فرار العصفور من القفص
استطلاع أسرار
مصير الفيلسوف
ما أسهل الغدر على الصديق!
تطريق فؤاد صلد
الضمير المستتر
المفاجأة
مشاجرة الكبرياء والأنفة
Página desconocida
كيف اهتدت ليلى إلى يوسف؟
هي تعد وهو يفي
الفصل الرابع والثلاثون
ملتقى الأسرار
إفلات العصفور ثانية
ضمير يدمع
ابن الطبيعة
لسان الثعلب
مؤامرة رجيمين
قصور في الهواء
Página desconocida
العملي غير النظري
الاهتداء إلى الفخ
الزلزال
نصب الفخ
سلسلة الفخ
وتد الفخ
فخ لذئبين
الفخ من نار
يد من بعيد
زوبعة عواطف
Página desconocida
ابنة الزانية
في حضرة إله الحب
أول قبلة
تتمة التاريخ
آدم الجديد
آدم الجديد
رواية اجتماعية عصرية
تأليف
نقولا حداد
إهداء الرواية
Página desconocida
إلى الفقيد العزيز مؤسس الهلال
يا غائب الصورة وحاضر الخبر.
ويا فاني المادة وخالد الأثر.
أمام خبرك وأثرك المجيدين ينحني كاتب هذه السطور؛ احتراما وتوقيرا.
أبيت إلا أن تستريح الراحة الخالدة بعد أن طرحت من يدك الريشة التي كملت بها تصوير مدنية العوالم الشرقية في جميع أدوارها، حتى إذا تناول تلك الريشة أحد بعدك، فلا يجد مكان قطرة منها في تلك الصورة الجميلة.
وما تركت الهلال المنير إلا وقد ربيت له رساما يرسم فيه صورا جديدة للمدنيات الغابرة والحاضرة، ولكنك تركت في آخره فراغا لا يدري أحد سواك كيف يملؤه.
كنت تملأ ذلك الحيز بصورة الماضي، فإذا كنت تأذن لصديق وفي أن يملأه بعدك، فاقبل منه هذه الصورة من صور الحاضر، فإن رسوم الفضائل التي فيها منسوخة عما اتصفت وعلمت، ورسوم الرذائل عما ترفعت وحذرت.
نقولا الحداد
مقدمة
صراع الحق والقدرة
Página desconocida
في الهيئة الاجتماعية قوتان تتصارعان: الحق والقدرة، كلاهما قوي:
الحق يريد الإنصاف ليرضي الضمير.
القدرة تريد الأثرة لتشبع الطمع.
الحق يبتغي أن تكون الشريعة فوق الإنسان.
القدرة تبتغي أن يكون الإنسان فوق الشريعة.
فهو يسلح الضعيف بالقانون ليرد القوي عنه.
وهي تقيد الضعيف بالقانون ليستحكم القوي منه.
الحق ينمي الطبيعة الملكية في الإنسان.
والقدرة تنمي الطبيعة البهيمية فيه.
فهو يحول الذئب إلى إنسان.
Página desconocida
وهي تحول الإنسان إلى ذئب.
الحق يبني ارتقاء الجماعات كلها معا على مستوى واحد.
والقدرة تهدم جماعة لتبني بأنقاضها جماعة أخرى.
هذه الرواية مصرع يتصارع فيه آدمان - آدم الحق وآدم القدرة - والقارئ شاهد عيان، وضميره حكم، والتاريخ يدله على أي المصارعين فائز أخيرا.
نقولا الحداد
مصادفات قاهرة
في الساعة الأولى بعد الظهر كانت أربع فتيات يتراكضن في ميدان «العتبة الخضراء» بمصر؛ لكي يدركن ترام العباسية، فأدركنه وهو يكاد يتحرك، ودخلن إلى المقعد الأخير منه، وكان جالسا عليه فتى فأصبحن معه خمسة أنفار على مقعد واحد.
على أن الفتى قلص جنبيه والفتيات تحاشدن جهد طاقتهن حتى وسعهن المكان، وكانت الأخيرة منهن أجهدهن في التقلص؛ لكيلا تحتك بالفتى، ولكن ما بلغ القطار جانب حديقة الأزبكية حتى لم تعد الفتاة تطيق تقلصا، فالتفتت إلى الفتى وخاطبته بالإفرنسية متلجلجة متوردة الوجنتين: هل تتفضل بأن تنتقل إلى المقعد الثاني؛ لأننا أصبحنا هنا خمسة أنفار؟ - عفوا مولاتي، هل كنتن تجهلن عددكن قبل أن ركبتن القطار؟ - لم نكن نجهله، ولكن بوق الكمساري لم يمهلنا حتى نتخير مقعدا واحدا لنا جميعا، فاحتشدنا هنا على أمل أن يتفضل خامسنا من نفسه بإخلاء المكان. - لماذا أكون يا سيدتي الخامس الذي يخلي المكان مع أني لست دخيلا عليكن؟
فامتقع وجه الفتاة دلالة على امتزاج الخجل بالغضب، وقالت: عفوا يا سيدي لولا ظني بأنك كنت غافلا عن ضيق المحل علينا ما نبهتك إليه؛ فاعذر فضولي.
فازمهر وجه الفتى، وقال: لولا أنه يصعب علي جدا يا سيدتي أن تلقي علي درسا في «فن آداب الترام» ما كنت أتردد في إخلاء محلي لكن ...
Página desconocida
وهنا انتهى الجدال، فالفتاة تبرمت وأعرضت عنه إلى رفيقاتها، والفتى غلا تغيظا من هذه الخاتمة السيئة، وبعد هنيهة توقف الترام في المحطة الأولى من شارع كلوت بك، ولكن ما تحرك ثانية حتى انسل الفتى من تحت العارضة الحديدية، التي تمنع الصعود والنزول من أيسر المركبة، واتفق حينذاك أن قطارا قادما داهمه وهو منسل، وكانت الفتيات ينظرن إليه وهو يخرج، فجزعن عليه وصرخن مستغيثات، بيد أنه توارى عن أبصارهن حالا؛ إذ اندفع قطارهن في سبيله تاركا الفتى تحت رحمة القطار الآخر، وهن لا يدرين كيف انتهى أمره، وبعد هنيهة قالت إحداهن للفتاة الأولى التي كانت تناقشه: أظنك خاشنته يا ليلى.
فلم تجب ليلى، بل كانت مفكرة مضطربة الداخل. •••
أما الفتى فما إن رأى القطار الآخر يداهمه حتى انعطف وراء القطار الذي كان فيه ونجا.
وما هي إلا دقيقة حتى رأى قطارا آخر من قطارات العباسية، فاستأنف مسيره فيه وهو يفكر فيما حدث بينه وبين الفتاة، ويراجع الحديث الذي جرى ويزنه؛ ليعلم هل كان ملوما. فلم يجد - بحسب اعتقاده - ما يبرر مناقشة الفتاة له، فقال في نفسه: يلوح لي أن المرأة الشرقية متى كانت تتكلم لغة أجنبية تعتقد أن ما تفعله يجب أن يكون قاعدة، وما تقوله شريعة وما تريده حقا، وأن الرجل يجب أن يكون لديها بلا إرادة ولا حرية ولا حق.
وما زالت هذه الأفكار وأمثالها تحوم في ضميره، وهو لاه عن كل ما يمر به إلى أن نبهه الكمساري قائلا: هنا «حي الظاهر» الذي تريد النزول فيه.
فأسرع الفتى ونزل من القطار، وأخذ من جيبه بطاقة، وقرأ ما فيها، ثم تقدم إلى أول عطفة عن اليسار، ونظر إلى اسم الشارع وقال: هذا هو الشارع بعينه.
وما إن مشى فيه قليلا حتى رأى فتاة قد ظهرت من شارع آخر مقاطع، ومشت في نفس الشارع الذي كان يمشي فيه، وهي على بعد عشرين خطوة منه، فاشتبه بها ورجح أنها هي الفتاة التي كان يناقشها في الترام، وجعل يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وما دقق النظر في ثوبها وبرنيطتها حتى لم يبق عنده شك بأنها هي الفتاة بعينها، وتراءى له أنها رأته، وتيقن أنها اعتقدت بأنه لم يوجد هناك صدفة بل عمدا كأنه يتبعها، فكبر عليه هذا الأمر، وقال في نفسه: يجب أن أختفي من هذا المكان؛ لكي تغير هذه الفتاة المتعجرفة ظنها بي، وتعتقد أني لست متتبعا لها، وأنها لم تخطر لي على بال.
وأسرع لكي ينعطف إلى الشارع الآخر المقاطع الذي بدت منه، ولكن قبل أن يصل إليه رآها تدخل في باب، وتراءى له أنها رأته يسرع نحوه، فلعن الصدفة قائلا: لقد وقع ما كنت أتحاشاه، وصارت الفتاة تظن أني مفتون بها في حين أني أكره أن أراها.
ولما لم تصح خطته في تحاشيها تقدم في سبيله، وهو ينظر إلى الأرقام التي على المنازل إلى أن وجد الرقم الذي يقصد إليه على نفس الباب الذي دخلت فيه الفتاة، فقال في نفسه ساخطا: يا الله ما بال التقادير تسوقني إلى حيث تكون هذه الفتاة الثقيلة!
وفيما هو يتردد بين أن يدخل إلى المنزل الذي يقصد إليه، أو أن يعود أدراجه أقبل عليه فتى، فتبادلا النظرات وسبقه الفتى بالكلام قائلا: ما أظنني غلطانا، المسيو ... - ... يوسف براق يا مسيو مراني. - أهلا وسهلا، لم تضل عن منزل صديقك، فتفضل ندخل.
Página desconocida
فابتسم يوسف قائلا: من تزوده يا مسيو نجيب بهذه المنارة (مشيرا إلى البطاقة) التي تفضلت علي بها في باريس فلا يضل.
حرب في قلب
بعد قليل كان يوسف براق في قاعة فاخرة الرياش، أنيقة الترتيب تدل على جمال الذوق المتناهي، فقال في نفسه: لا أظن هذا المنزل المشتمل على هذا الذوق الجميل يشتمل أيضا على تلك الفتاة في وقت واحد، فلا بد أن تكون الفتاة ساكنة أو زائرة في طبقة أخرى من طبقات هذه البناية.
وبعد أن رحب نجيب المراني بضيفه ترحاب العربي الكريم قال له: متى قدمت من أوروبا؟ - أول أمس. - أهلا وسهلا، عسى أن تستطيب الإقامة في مصر. - أقول لك الحق أيها العزيز: إن طيب الإقامة فيها يتوقف على التوفق في الشغل. - لا أظنك استطعت أن تبحث عن شغل حتى الآن. - بحثت بعض البحث بناء على نصح رفيق رافقته من الإسكندرية إلى هنا، فأرشدني إلى بعض البنوك والشركات، فذهبت إلى بعضها وسألت عن وظائف خالية فلم أجد. - هل قصدت إلى البنك الأميركاني؟ - قصدت إليه فقيل لي أن لا وظيفة خالية فيه.
فضحك نجيب وقال: وأنا أعلم أن هذا البنك يحتاج إلى بعض المستخدمين؛ لأنه جديد، ولعل أكثر الدوائر التي قصدت إليها تحتاج إلى قليل مستخدمين، ولكن الذين تسألهم لا يقرون بالوظائف الخالية؛ لأن عندهم من ذويهم طلابا لها، هل قدمت «طلبا» إلى هذا البنك؟ - «طلبا» خطيا؟ لا، بل تقدمت بنفسي. - لقد أخطأت؛ لأنك لم تقدم نفسك إلا للأشخاص الذين يقفلون الباب في وجه كل طالب من غير ذويهم، ورأيي أن تكتب «طلبا» تبسط فيه أهليتك وتشفعه بنسخ من الشهادات التي معك، ثم تدفعه بنفسك وتطلب مقابلة مدير البنك، وتلتمس منه أن يمتحنك. - ولماذا الامتحان بعد أن يطلع المدير على طلبي وشهادتي؟ - لا بد من الامتحان والوساطة أيضا. - لا بأس من الامتحان، أما الوساطة فلماذا إذا كان الامتحان يثبت أهليتي؟! - لا بد منها أيضا؛ لأنه قد يكون بين الطالبين الأكفاء من أوصى به أحد أصدقاء المدير، فالوساطة لأجله تقدمه عليك وإن كان أقل منك أهلية. - كم هي ماهيات الوظائف الخالية؟ - حوالي ثمانية جنيهات.
فانقبض يوسف براق، وقال: أقول لك الحق: إني لا أريد أن أقتل وقتي في وظيفة بأقل من عشرين جنيها.
فضحك نجيب وقال: إني لواثق بأهليتك يا عزيزي يوسف، ولكن لا وصول إلى الوظائف العالية إلا بالصعود من الوظائف الواطئة. - يا لله! ألأجل وظيفة صغيرة أحتاج إلى واسطة؟! - نعم، وإذا لم تكن الواسطة فعالة فلا تنجح مهما كانت الوظيفة حقيرة؛ لأنك غريب في البلاد، وعليك أن تبتدئ بالصعود من أول السلم، ومتى اكتسبت قلوب معارفك الجدد يقدرونك قدرك، فتستعين بهم على الترقي إلى الوظائف العالية.
عند ذلك رأى يوسف فتاة عادلة القوام قد لاحت في رحبة المنزل، وما وقعت عينه على عينها حتى اضطرب، وفي الحال نهض يريد الخروج، فأمسك به نجيب قائلا: إلى أين؟ - أستأذنك بالانصراف الآن إلى ملتقى آخر. - لا، بل تتغدى معنا وتتعرف بسائر العائلة. - إني ممتن لفضلك جدا، لقد تغديت فأذن لي بالانصراف.
وبذل نجيب جهده في إقناعه بالبقاء فلم يفلح.
غرس الحب في القلب
Página desconocida
قالت ليلى وهي وأهلها جلوس إلى مائدة الطعام: من هذا الفتى يا أخي نجيب؟
فأجاب نجيب: يدعى يوسف براق، وقد تعرفت به في باريس حين كنت أمتحن في الحقوق، فكان لي صديقا ودودا، وكنت أستلذ عشرته لسمو آدابه وسعة معارفه.
فقالت ليلى وهي تستعيد في ذهنها حادثة الترام: لا تدل ملامحه على شيء من ذلك. - لم تريه جيدا حتى يحق لك أن تحكمي على ملامحه من مجرد رؤيتك له لمحة، مع أن كل نظرة منه تدل على قاموس لغة أو دائرة معارف. - يا لله أراك تغالي كثيرا في محاسن هذا الفتى. - لا أبالغ إذا قلت: إنه فيلسوف؛ لأنه يعرف الإنكليزية والإفرنسية كأهلهما ، ويعرف العربية كأبلغ الكتاب، ومع ذلك فمعارفه اللغوية ليست شيئا في جنب معارفه العلمية والفلسفية. - إذا كان كما تقول أفليس عجيبا أن يترك أوروبا - مهد العلم ووطن الأعمال - ويأتي إلى مصر؟ - يلوح لي أنه سيئ الحظ من العالم؛ لأن أخلاقه ومزاجه وتربيته لا تقدره على حسن الجهاد لأجل الحياة، فهو حر الضمير وصادق الطوية وقويم المبادئ أكثر من اللازم لهذا الجهاد، وروح الاجتماع الحاضر تحسب هذه الصفات جرائم، والمدنية الحالية تعاقب ذويها بنكد الطالع، وإذا أضفنا إلى ذلك عصبية مزاجه وحدة طبعه اتضح لنا السبب في عدم توفقه في أوروبا، وإيثاره امتحان بخته في مصر. - غريب أن يكون عصبي المزاج وهو بدين. - وهو شديد العضل أيضا، فإذا غالب الدب غلبه، ولكنه يتحاشى أن يتقاوى على نملة.
وكان نجيب يتمادى بهذا الحديث، وهو لا يدري أنه يغرس به غرس حب في فؤاد أخته ليلى، وبعد سكوت هنيهة قالت ليلى: إذا كان هذا الفتى لم يوفق إلى مسترزق يرضيه في أوروبا، حيث يعلم الناس أقدار الناس، فهل يؤمل أن يجده في مصر؟ - تقلب في أشغال كثيرة في باريس ولندن، حتى إنه اشتغل في التأليف والتحرير، لكن ضعف رأيه في تدبير أموره وفي تصرفه مع الناس في ميدان المزاحمة والمناظرة كان يفضي دائما إلى فشله، فنصحت له أن يرحل إلى مصر، حيث يقل مزاحموه إلى الوظائف العالية لعظم أهليته، والآن أرشدته إلى البنك الأميركاني، ونصحت له أن يصعد على سلم الارتقاء درجة درجة، وسأبحث مع عمي بولس رئيس قلم الترجمة في هذا البنك عسى أن يستطيع التوسط له، ولم أشأ أن أذكر له شيئا من هذا القبيل قبل أن أرى عمي لأعلم ماذا يقول.
بعد الغداء اختلت ليلى في غرفتها خلافا لعادتها.
نشوة الغرور
في الساعة الثالثة من اليوم التالي كان يوسف براق في حضرة مدير البنك الأميركاني، فقال له المدير: إذا صدق ما كتبته في عريضتك كان لك عندنا وظيفة، فهل أنت مستعد للامتحان؟ - إذا شئت فتفضل به الآن.
فاستدعى المدير رجلا كهلا، وقال له: أود أن تمتحن هذا الفتى بالترجمة من اللغات الثلاث وإليها.
فتبع يوسف ذلك الرجل الكهل إلى مكتبه، وبعد أن تخاطبا باللغتين الإنكليزية والفرنساوية، دفع إليه الرجل ورقة مكتوبة بالإنكليزية، وقال: هذه رسالة كتبتها الآن إلى أحد العملاء، فأود منك أن تترجمها إلى الإفرنسية والعربية، وهذه رسالة أخرى بالعربية أود أن تترجمها إلى الإنكليزية والفرنساوية.
فقرأ يوسف الرسالتين ثم تناول ورقة، وبعد أن كتب قليلا طوى الورقة ووضعها في ظرف، وختمه ودفعه إلى ذلك الرجل قائلا: أود أن تأمر بإرسال هذا الظرف إلى جناب المدير.
Página desconocida
فاستغرب الرجل تصرف الفتى، وقال: هل أنجزت الترجمات بهذه السرعة؟
وهم الرجل أن يفض الظرف فأمسك يوسف يده، وقال: لا تفضه يا سيدي فهو معنون باسم المدير شخصيا.
فازداد الرجل حيرة، ولكنه لم يتردد في إرسال الرسالة إلى المدير، فلما فضها المدير قرأ فيها ما يأتي:
مولاي جناب المدير
أرجو أن تعين لامتحاني موظفا أكثر معرفة مني، واقبل فائق احترامي.
كاتبه: يوسف براق
فابتسم المدير واستدعى يوسف إليه، وقال له: لماذا فعلت هكذا؟ أما شعرت أنك تهين من وليته أمر امتحانك؟ - ربما شعرت الآن بذلك، وشعرت أيضا أن هذا الامتحان إهانة لي أعظم من إهانة ممتحني؛ لأن الأمر بيني وبينك الآن والرجل لا يدري ماذا جرى؛ فأرجو أن تمتحنني أنت أو أن تعين لامتحاني شخصا آخر أوسع علما منه. - ليس عندنا أوسع علما منه، والوظائف التي عندنا لا تحتاج إلى معرفة أوفر من معرفته. - إذن أرجو أن تقبلني بلا امتحان، وتجربني في العمل شهرا أو أسبوعا أو يوما، فإذا لم تقنع بأهليتي فاصرفني خائبا.
وكان المدير يعجب بكلامه بالإنكليزية، فسأله بالإفرنسية: هل تعرف العربية كالإنكليزية؟ فأجابه بالإفرنسية أيضا: هي لغة أبي وأمي يا سيدي، وقد درست نحوها وبيانها في أشهر مدارس سوريا، وكتبت بها مقالات في بعض المجلات العربية.
وكان إعجاب المدير بكلامه بالإفرنسية أشد منه بكلامه بالإنكليزية، فقال له: إذن تعال غدا واشتغل، مهلا ...
ثم ضغط المدير على زر، فجاءه خادم فقال : استدع المسيو سرار إلى هنا.
Página desconocida
وفي لحظة حضر المسيو سرار، فقال له المدير: بعد غد الاثنين يأتي المسيو يوسف براق هذا إلى مكتبك، فاشغله بأي ترجمة تريدها.
وقبل أن ينصرف يوسف قال للمدير: أود يا سيدي أن أعلم درجة الوظيفة، التي تعينني بها إذا كنت راضيا كل الرضا عن عملي.
ففكر المدير هنيهة ثم قال: ليس عندنا الآن وظائف بماهية أكثر من 8 جنيهات في الشهر. - وهب أني برهنت بالفعل على أني أهل لأن أشغل وظيفة عالية جدا ... - لا أقدر أن أبحث معك الآن بذلك، فإذا شئت أن تشتغل كما اتفقنا، فتعال غدا وإلا فأنت وشأنك.
واستأنف المدير النظر في أوراقه. - إني آت غدا يا سيدي.
ثم ودعه وانصرف متغيظا، وهو يقول في نفسه: الناس هم هم في كل مكان، وليس من يميز بين الغث والسمين، وإذا كان ذلك الرجل الكهل أوفر موظفي هذا البنك علما، أو ليس بينهم أعلم منه، فلا ريب أن أترقى سريعا، وأكون في عهد قصير ثاني المدير. فلأطاوع هؤلاء الأغبياء صابرا إلى أن تتبرهن لهم أهليتي.
أما ذلك الرجل الكهل، فهو بولس المراني عم نجيب المراني، وقد شغلت باله الرسالة التي قدمها يوسف إلى مدير البنك، وكانت وسيلة للتفاهم بينهما، وعقد النية على أن يطلع عليها ولو خلسة، فتلاهى في مكتبه حتى انصرف المدير من البنك، ودخل إلى مكتبه وبحث عن الرسالة طويلا، فوجدها في سلة الأوراق المهملة ممزقة بعض التمزق، فجمع أجزاءها ورتبها، ولما اطلع عليها كانت له ابتسامة لو رآها يوسف لندم على ما فعل.
حرب بين النفس والقلب
وكان اليوم التالي الأحد والأشغال معطلة، فاغتنم جوزف العطلة، وخرج من غرفته في فندق السياح وذهب يبحث عن غرفة مفروشة أرخص من غرف الفنادق، فطاف عدة جهات فلم يجد غرفة تلائم ذوقه وتسد حاجته.
وأخيرا وجد نفسه عند سبلندد بار، ورأى المكان مكتظا بالناس، فجلس فيه إلى إحدى الموائد، وفيما هو يجيل نظره وقعت عينه على عين ليلى، فخفق فؤاده وقال في نفسه: ويحك يا قلبي ما بالك تستهدف لسهام هذه المتكبرة، أما كفى نفسي هوانا؟
ثم أسرع وشرب قهوته، ونهض لا يلتفت إلى أحد، ومضى يتمشى في رصيف الشارع وهو لا يدري إلى أين يذهب، وما شعر إلا أنه راجع إلى سبلندد بار رغم أنفه، فدخل إلى داخله بحيث لا يراه من هم جلوس خارجه، وجلس في زاوية عند أحد الأبواب، وكان أحد مصراعي الباب مقفلا، فنظر من خلال زجاجه إلى حيث ليلى جالسة، فوجدها مع جماعة «من أهلها طبعا»، وما إن تبينهم جميعا حتى عض على سفلى شفتيه، وكاد يدميها؛ لأنه رأى بين تلك الجماعة ذلك الرجل الكهل، الذي كان يمتحنه في البنك الأميركاني، وجعل يتساءل: ماذا عسى أن تكون نسبة ذلك الرجل إلى ليلى؟
Página desconocida