Adab Dunya Wa Din
أدب الدنيا والدين
Editorial
دار مكتبة الحياة
Número de edición
الأولى
Año de publicación
1407 AH
Ubicación del editor
بيروت
Géneros
Sufismo
«مَا مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلْفًا وَمُمْسِكًا تَلَفًا» . وَأَنْزَلَ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَعْنِي مَنْ أَعْطَى فِيمَا أُمِرَ وَاتَّقَى فِيمَا حُظِرَ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى يَعْنِي بِالْخَلَفِ مِنْ عَطَائِهِ.
فَعِنْدَ هَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَسَادَاتُ النَّاسِ: فِي الدُّنْيَا الْأَسْخِيَاءُ وَفِي الْآخِرَةِ الْأَتْقِيَاءُ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْجُودُ عَنْ مَوْجُودٍ.
وَقِيلَ فِي الْمَثْلِ: سُؤْدُدٌ بِلَا جُودٍ، كَمَلِكٍ بِلَا جُنُودٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْجُودُ حَارِسُ الْأَعْرَاضِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَنْ جَادَ سَادَ، وَمَنْ أَضْعَفَ ازْدَادَ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُصَحَاءِ: جُودُ الرَّجُلِ يُحَبِّبُهُ إلَى أَضْدَادِهِ، وَبُخْلُهُ يُبَغِّضُهُ إلَى أَوْلَادِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُصَحَاءِ: خَيْرُ الْأَمْوَالِ مَا اسْتَرَقَّ حُرًّا، وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ مَا اسْتَحَقَّ شُكْرًا.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ:
وَيُظْهِرُ عَيْبَ الْمَرْءِ فِي النَّاسِ بُخْلُهُ ... وَيَسْتُرهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا سَخَاؤُهُ
تَغَطَّ بِأَثْوَابِ السَّخَاءِ فَإِنَّنِي ... أَرَى كُلَّ عَيْبٍ فَالسَّخَاءُ غِطَاؤُهُ
وَحَدُّ السَّخَاءِ بَذْلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَنْ يُوصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَتَدْبِيرُ ذَلِكَ مُسْتَصْعَبٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُحِبُّ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْكَرَمِ يُنْكِرُ حَدَّ السَّخَاءِ، وَيَجْعَلُ تَقْدِيرَ الْعَطِيَّةِ فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْبُخْلِ، وَأَنَّ الْجُودَ بَذْلُ الْمَوْجُودِ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ يُفْضِي إلَى الْجَهْلِ بِحُدُودِ الْفَضَائِلِ. وَلَوْ كَانَ الْجُودُ بَذْلُ الْمَوْجُودِ لَمَا كَانَ لِلسَّرَفِ مَوْضِعٌ وَلَا لِلتَّبْذِيرِ مَوْقِعٌ.
وَقَدْ وَرَدَ الْكِتَابُ بِذَمِّهِمَا وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا. وَإِذَا كَانَ السَّخَاءُ مَحْدُودًا فَمَنْ وَقَفَ عَلَى حَدِّهِ سُمِّيَ كَرِيمًا وَكَانَ لِلْحَمْدِ مُسْتَحِقًّا، وَمَنْ قَصُرَ عَنْهُ بَخِيلًا وَكَانَ
1 / 184