ولقد استطاعت قوة الشماليين البحرية بعد ذلك أن تستولي على حصنين بالساحل في موانئ أهل الجنوب، كما استطاع القائد ماكليلان أن يفصل بقوته البرية الجزء الغربي من فرجينيا عن جزئها الشرقي ويضمه إلى الاتحاد، وكان أكثر أهله ممن يرفضون الانسحاب من الاتحاد، فكان ذلك ردا على الهزيمة في معركة بول رن.
وكان لنكولن قد دعا الكونجرس ليشاور ممثلي الأمة في الأمر، وليطلعهم على الموقف من جميع نواحيه، ولقد بعث إلى الكونجرس برسالة كانت من خير ما كتب من الرسائل، تناول فيها كل ما يهم الناس يومئذ معرفته.
بدأ لنكولن يسرد الحوادث حتى انتهى إلى موقف أهل الجنوب، فذكر أنهم وضعوا البلاد بين أمرين: فإما الحرب وإما تفكك الاتحاد. ثم قال إن الأمر لا يقف عند هذه الولايات المتحدة، بل إنه ليتعداها إلى مبدأ عام هو مبلغ نجاح الحكومات الديمقراطية القائمة على إرادة الشعب.
ولقد كان لنكولن جد موفق في إشارته هذه إلى ذلك المبدأ العام، كما كان يصدر في ذلك عن طبع، فهو من أشد أنصار الحرية ومن كبار العاملين على تقرير سيادة الشعب.
وتكلم الرئيس عن الولايات الوسطى التي تظاهرت بالحياد، فقال: «إنها تقيم سدا لا يجوز اختراقه على الحد الفاصل بيننا ، ومع ذلك فليس هو بالسد الذي لا يخترق، فإنها تحت ستار الحياد تغل أيدي رجال الاتحاد، بينما هي تبيح الطريق في غير تحرج للأمداد ترسل من بينهم إلى الثوار، الأمر الذي ما كانت تستطيع فعله أمام عدو صريح.»
ورد الرئيس على دعوى جفرسون دافيز زعيم الولايات الجنوبية، الذي يقول إن مبدأ الانسحاب حق يبيح القانون الحرب من أجله، ولقد عد الرئيس هذه الدعوى من لغو الكلام، قال: «إن الستار الذي يستترون وراءه وهو أن ذلك الحق المزعوم لا يستعمل إلا مع وجود مبرر عادل، بلغ من التفاهة حدا لا يستحق معه أية ملاحظة، وهم سيكونون الحكم في عدالة ذلك المبرر أو عدم عدالته.»
وكان رد الرئيس على جفرسون من الخطوات التي ارتاح لها أهل الشمال، فلقد أشفقوا أن تجد مزاعم جفرسون سبيلها إلى قلوب الأغرار والأغفال.
ثم أهاب الرئيس بالكونجرس أن يمده بالمال والرجال، فهو في حاجة إلى أربعمائة مليون من الدولارات وأربعمائة ألف من الرجال، وسرعان ما أجابه الكونجرس إلى ما طلب في حماسة جعلته يزيد العدد في المال والرجال عما طلبه الرئيس.
وأيقن الناس في طول البلاد وعرضها، وقد رأوا من صلابة الرئيس وعزمه ما رأوا، أن الحرب سيطول أمرها، فتألفت في البلاد كلها جماعات للنجدة، حتى لكأنما نسي الناس أحوالهم فليس ما يشغل أذهانهم ويستدعي جدهم ونشاطهم إلا هذه الحرب.
ولقد تغلغلت تلك الروح في جميع الطبقات؛ الكوخ والقصر في ذلك سواء، والقرية الحقيرة لا تفترق فيه عن المدينة العظيمة، وأصبح النشيد الذي يتردد على كل لسان ذلك الذي جعل مطلعه: «نحن قادمون إليك يا أبانا أبراهام ... ستة آلاف من الأشداء ... نحن قادمون.»
Página desconocida