وفي غمار ذلك كله، وكنا في يناير 1968م، قمت مع الدكتور نوح بزيارة رماح البرعي! كان رماح - وهو سكندري سمين ضحوك - طالبا مجدا في كلية الطب، ثم اكتشف بعد تخرجه أن فرصة عمله بالجراحة محدودة، وهي عشقه الأول والأخير، وكان قد خطب فتاة صغيرة (بطريقة الخاطبة) لكنه شعر بأنه لن يستطيع تحقيق حلمه إلا إذا سافر، فقبل وظيفة جراح مبتدئ بإحدى مستشفيات الكويت، ودأب على الدراسة استعدادا لدخول امتحان الزمالة، ونجح في الجزء الأول، لكنه ظل يرسل المال إلى أهله والهدايا إلى خطيبته في مصر، وتصادف أن مرض أحد أمراء البحرين فجاء إلى العلاج في الكويت، وأجرى له رماح عملية ناجحة، فما كان من الأمير إلا أن بنى له مستشفى خاصا، وفتح له أبواب الممارسة الجراحية على مصراعيها، وتمكن في أثناء ذلك من اجتياز الجزء الثاني من امتحان الزمالة في إنجلترا، فعرضت المستشفى عليه وظيفة استشاري! وكان على رماح أن يقرر ما يفعل؛ إذ ارتبط قلبه في الغربة بحب فتاة كويتية، وخطيبته في مصر قد بلغت الخامسة والعشرين وما تزال تنتظره، ولم يتردد رماح طويلا بل ذهب إلى الإسكندرية، وزار أهل خطيبته وصارحهم بالموقف، وعرض عليهم أي تعويض مالي يطلبونه، وطلبوا ثلاثين ألف جنيه فلم يعترض، وأودع لهم المال في البنك، وعندما أحس بالرضا عاد إلى الكويت. وهنا عرض على حبيبته الزواج بشرط الإقامة الدائمة معه في لندن، فوافقت وسافر العروسان!
وعندما زرناه حانت فسحة القهوة، فإذا به يخرج من درج مكتبه رغيفا ضخما (فينو) وشرع يأكل بعد أن دعانا إلى مشاركته، وكلانا مثله نحب الطعام، ولكننا اعتذرنا، فقال شارحا: «أصل مراتي ما تحبنيش أجوع.» وأظن ظنا أن الساندويتش كان يتضمن لحما وبعض شرائح الطماطم والخيار، وكان رماح قد انتهى لتوه من عدة عمليات جراحية ناجحة، وانطلق يحدث الدكتور نوح عنها، وكنت أتابع مناقشتهما بدهشة وإعجاب!
5
كان اللقاء مع رماح البرعي، على طرافته، بالغ الأثر في نفسي، فإذا كان قد أعاد لي بعض الطمأنينة بتأكيد ذكاء العربي ومهارته، فلقد أكد لي أيضا أهمية ما قاله شكري عياد عن «الدلالة»؛ فالمادة الإنسانية التي يشكلها الأديب لا تقل دلالتها عن الصور والأبنية الجمالية التي ينشئها أو يحاكيها أو يقتبسها ويعد لها. وسواء قصصت قصة رماح ببراعة القاص المحترف أم رويتها عارية عن الأشكال الأدبية التقليدية أو المبتكرة، فسوف تظل المادة الإنسانية زاخرة بالدلالات، وسوف يكون تجاوب القارئ العربي معها بمثابة الإجابة على سؤال شكري عياد «وبعدين؟» نعم نحن نحتاج إلى الأدب لأننا نحتاج إلى أن نعرف رماحا، ونحتاج إلى أن نزيد وعينا بالحياة! وعندما ركبنا الأتوبيس الذي سوف ينقلنا إلى أقرب محطة للمترو، لاحظ الدكتور نوح أنني كنت شارد اللب، فسألني عن سبب شرودي فقلت له: «أبدا .. بس مستغرب شوية.» فأدرك أنني أفكر في قصة رماح، فقال بلهجة ابن البلد الصادقة: «أمال لو شفت الأجهزة اللي عندهم!» ولكنني لم أكن مبهورا بنظافة المستشفى ونظامها، بل كان ما يشغلني هو ذلك الهم الذي كتب علي أن أحمله مدى الحياة - ألا وهو التساؤل مع شكري عياد عن الدلالة!
وعدت إلى الرسالة أتأمل ما قطعت فيها من أشواط، وما بقي من جهد لا أقوى على بذله، وتساءلت من جديد: ترى أستطيع أن أقلع عن «الصرمحة» بين الكتب، وأنتهي من الرسالة عملا بنصيحة شكري عياد؟! وقررت أن أحاول من جديد، وإن كانت الضائقة المالية تتطلب البحث عن عمل، وكنت أرجو أن يكون هذا العمل ذا طابع منتظم حتى لا أكابد هذا العناء، ولجأت من جديد إلى أصدقائي في الإذاعة، فوجدت أن الجميع يؤكدون أن بريطانيا لم تشارك إسرائيل في العدوان على مصر، وقال بعضهم إنني أخطأت حين استقلت، وإنهم سوف يرحبون بعودتي، ولكنني لم أتحمس لموضوع الخطابات!
وجاء نهاد خطاب من جامعة ساسيكس
Sussex
يقول لها إن الجامعة قد وافقت على تسجيلها اعتبارا من خريف 68 بشرط اجتياز المقابلة الشخصية، وكانت عندما تقدمت بطلبها أول الأمر طلبوا منها إرسال نموذج من كتاباتها، فكتبت بحثا عن الروائي جوزيف كونراد عنوانه «ازدواج الوعي عند كونراد» ولاقى القبول، وتحدد لها موعد للمقابلة، وذهبنا بالقطار إلى مدينة برايتون
Brighton
الساحلية، واتجهنا إلى الجامعة، وبعد المقابلة (وكانت مع الأستاذ ليرنر مؤلف كتاب كوميديات شيكسبير) قيل لها إنها يجب أن تقيم في مكان لا يبعد أكثر من 11 ميلا عن الحرم الجامعي، ولما كان ذلك عسيرا، فقد قدمنا طلبا لالتحاقها بالمدينة الجامعية، وعدنا إلى لندن.
Unknown page