Tawdih
التوضيح في حل عوامض التنقيح
Investigator
زكريا عميرات
Publisher
دار الكتب العلمية
Publication Year
1416هـ - 1996م.
Publisher Location
بيروت
قلنا حقيقة النهي توجب كون المنهي عنه ممكنا فيثاب بالامتناع عنه ويعاقب بفعله والنهي عن المستحيل عبث هذا هو الدليل المشهور لأصحابنا على أن النهي عن الشرعيات يقتضي الصحة وقد أورد الخصم عليهم أن إمكان المنهي عنه بالمعنى اللغوي كاف ولا نسلم أنه يجب أن يكون ممكنا بالمعنى الشرعي فأجبت عن هذا بقولي فإمكانه إما بحسب المعنى الشرعي أو اللغوي والثاني باطل لأن المعنى اللغوي لا يوجب المفسدة التي نهى لأجلها حتى لو وجب يكون النهي عن الحسيات ولا نزاع فيه فتعين الأول تحقيقه أنه إذا نهى عن بيع درهم بدرهمين فهنا أمران أحدهما أمر لغوي من غير المعنى الشرعي الذي ذكرنا وهو قولهما بعت واشتريت وهذا أمر حسي والثاني هذا القول مع المعنى الشرعي المذكور وهذا هو البيع الشرعي فإن كان النهي عن الأمر الأول يكون النهي عن الحسيات وحينئذ إن كانت المفسدة التي نهى لأجلها في نفس هذا القول من حيث هو القول فلا نزاع في كونه باطلا لكن الواقع ليس هذا القسم لأن المفسدة ليست في نفس هذا القول وهو بعت هذا الدرهم بدرهمين وإن كانت المفسدة في غير هذا القول الحسي لا يكون هذا القول قبيحا لعينه كقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن وإن كان النهي عن الأمر الثاني يجب إمكانه بحسب المعنى الشرعي فلا يكون النهي للقبح لذاته أو لجزئه لأن ذلك ينافي إمكان وجوده شرعا فيكون لقبح أمر خارجي وأيضا إذا اجتمع الموضوع له لغة وشرعا لا بد من حمل اللفظ على الموضوع له الشرعي فيجب الإمكان بالمعنى الشرعي فإن قيل النهي عن البيع مثلا ليس إلا عن التصرف الحسي فأما المعنى الشرعي فلا قدرة للعبد عليه فكيف يصح النهي عنه قلنا الشارع قد وضع اللفظ لإنشاء البيع بمعنى أنه كلما وجد هذا اللفظ من الأهل مضافا إلى المحل يوجد إنشاء البيع الشرعي قطعا فالقدرة حاصلة على إنشاء المعنى الشرعي بأن يتكلم باللفظ الموضوع له مضافا إلى المحل الصالح له فإذا كان المعنى الشرعي مقدورا يصح أن يكون منهيا عنه ثم بتبعية هذا النهي يكون التكلم باللفظ منهيا عنه لأنه إن تكلم به يثبت به ما هو المنهي عنه وهو الإنشاء فإذا تكلم به ثبت المعنى الموضوع له وهو الإنشاء الشرعي ونظيره الطلاق في حالة الحيض ولأن النهي يدل على كونه معصية لا على كونه غير مفيد لحكمه كالملك مثلا فنقول بصحته لإباحته والقبح مقتضى النهي فلا يثبت على وجه يبطل النهي وقد ثبت فيما مضى أن الأمر يقتضي كون المأمور به حسنا قبل الأمر والنهي يقتضي كونه قبيحا قبله خلافا للأشعري وهذا معنى الاقتضاء فلا يمكن أن يثبت المقتضى على وجه يبطل المقتضي وهو النهي فإنه لو كان قبيحا لعينه في الشرعيات يكون باطلا أي لا يمكن وجوده شرعا والنهي عن المستحيل عبث فيثبت على الوجه الذي ادعيناه وهو القبح لغيره
Page 409