184

Tarikh Junun

تاريخ الجنون: من العصور القديمة وحتى يومنا هذا

Genres

ما يتطلب الاحتجاز كان «الهذيان الناتج عن إدمان الخمور» وليس الإدمان في حد ذاته. في عام 1902، كتب إدوارد تولوز - كبير الأطباء بمصحة فيلجويف ورائد فكرة الخدمة المفتوحة كما رأينا - في «مجلة الطب النفسي»: «يعد احتجاز مدمن الخمور في المصحة بعد زوال أعراض الاضطراب العقلي الحادة من أكثر المسائل التي توجب على الأطباء التعامل معها بحساسية. فإذا أصدر شهادة لإطلاق سراح المريض، فقد يعجل بخروجه؛ ومن ثم تعرضه للانتكاس، وإذا لم يخرجه وقرر إبقاءه، يكون الوضع متعارضا مع الأحكام العامة لقانون عام 1838.» ويدرك مدمنو الخمور المحتجزون هذا الأمر جيدا، مثل هذا المريض ذي السبعة والثلاثين عاما، الذي كتب في أكتوبر 1910 إلى عمته أثناء فترة احتجازه منذ سبعة أشهر بعد أن نقل من السجن إلى المصحة: «إذا عوقب كل من ثمل، فسيكون لدينا الكثير من المعذبين.»

وفي سبيل سد هذه الفجوة الإدارية، تمنى الكثير من أطباء الأمراض العقلية إنشاء مصحات للأمراض العقلية مخصصة لعلاج إدمان الخمور، مثل مصحة إليكون بالقرب من زيورخ، التي أنشئت بناء على مبادرة من أوجست فوريل، شديد الاهتمام بمقاومة هذا الإدمان (وهي تعرف الآن بعيادة فوريل). «يجب الاعتراف بهذا الأمر، فمدمن الخمور يجب ألا يخضع لإعادة التأهيل النفسي والأخلاقي داخل مؤسسة للمرضى عقليا: فالطبيب - الذي تشغله الحالات الخطيرة التي يجد لها بالكاد وقتا لدراستها - لن يكون لديه الوقت ولا المواد المادية والمعنوية اللازمة للشروع في عملية شديدة الحساسية مثل إعادة تأهيل مدمن للخمور. وبالتالي، يخرج المريض من المصحة - كما كان في السابق - بالعادات والإفراط نفسه، ليعود ثانية بإصابة أبلغ؛ مما يقلل فرص شفائه. إن هذا الاحتجاز المتكرر يعتبر في نظر المجتمع إجراء نافعا وحمائيا؛ لأنه يجعله بمأمن من أعمال مدمن الخمور المهلوس الخطيرة، ولكن من ناحية فعالية هذا الإجراء في القضاء على الرغبة في الشرب، فإنها فعالية وهمية؛ فهو في الحقيقة مجرد اعتقال للمدمن لكونه مريضا عقليا خطيرا، ولكن ليس علاجا لمرضه.»

12

فإذا كانت هناك مؤسسات صغيرة (من أربعين إلى خمسين مريضا) في الريف مخصصة لإقامات طويلة وبها نظام عمل منتظم - زراعي على وجه الخصوص - فسيكون هذا بالفعل علاجا لإدمان الخمور وليس مجرد احتجاز وعزل الجنون الناتج عنه. في عام 1894، طالب فالنتين مانيان وبول لوجرين بإنشاء سبع مصحات متخصصة في فرنسا على غرار تلك الموجودة في ألمانيا وسويسرا والنمسا والولايات المتحدة الأمريكية. كان هذا الأمر يتطلب وسائل وتشريعات جديدة. ولقد تمخضت هذه المشروعات عن لا شيء، فلم تنشأ إلا هيئة واحدة مخصصة لخدمة مدمني الخمور داخل مصحة الأمراض العقلية بمدينة إفرار. وتبين لنا صورة فوتوغرافية من ذلك العصر صالة الطعام بها ؛ حيث نجد الممرضين واقفين بصلابة - فلا نميز بين هذا المشهد وبين مصحات للأمراض العقلية التقليدية - وعلى روافد السقف نجد عبارات عملاقة مثل: «الكحول يفقد العقل ويدعو للشر»، «امتنعوا عن السكر وكونوا مستقلين.»

خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، تغيرت خريطة توزيع نسب إدمان الخمور المرضي (أو إدمان الخمور فقط) بوضوح في الغرب؛ فمنطقة نورماندي بدأت تنازع بريتاني على الصدارة. فما أكثر الكتب الصحية والوقائية ضد إدمان الخمور التي كانت تذكر نورماندي على أنها المثال الذي يجب ألا نحتذي به: «يخلق إدمان الخمور سلالة خاصة ويبدو كل أعضائها متشابهين. ففي القرى الصناعية بروان، نجد أن الجميع يتشابهون. فاحذروا أن تظنوا أن هذا هو النموذج النورماندي! لا، إنه نموذج مدمن الخمر!»

13

ويعكس ازدياد عدد حالات الاحتجاز للجنون الناتج عن إدمان الخمور (مثل حالات إدمان الخمور في المصحات وأمام المحاكم) مدى زيادة الميل للخمور لدى الشعب. وفي الوقت ذاته، تسببت الحملة ضد إدمان الخمور في تضخم في التشخيص دعمته نظريات الانحطاط العقلي التي كانت في أوجها. وفي خطاب أرسله عام 1886، يكتب لوجرين - كبير الأطباء بالخدمة الخاصة بمدمني الخمور في مصحة إفرار والعضو المؤسس للاتحاد الفرنسي لمكافحة إدمان الخمور: «إن مدمني الخمور إنما هم مرضى بالانحطاط النفسي.»

14

ولقد لاحظ المشرع هذا المزج بين إدمان الخمور كسبب رئيس في الاحتجاز وكونه عاملا مساعدا بسيطا، في تحقيق عام 1907 الذي أجراه وزير الداخلية حول «أهمية الدور الذي يلعبه الخمر والمشروبات الكحولية في التسبب في الجنون» (كنا بعيدين عن إدراك باقي المواد التي تحتوي على

C

Unknown page