Tarikh Junun
تاريخ الجنون: من العصور القديمة وحتى يومنا هذا
Genres
26
بالإضافة إلى زيارات إرادية وعطلات.
في الواقع، جرت بالفعل بعض محاولات لتحرير المرضى عقليا: وضعهم في منازل في الريف أو إنشاء مصحات محلية ... إلا أن تقرير عام 1874 قرر فشل هذه المحاولات: «جرت تجربة هذا النظام على نطاق صغير، ولكننا اضطررنا إلى التخلي عنه سريعا. بمجرد معرفة أصحاب منازل الريف أن هؤلاء مرضى عقليا، سرعان ما جاهدوا للتخلص من الذين كانوا في عهدتهم، أو بدءوا في معاملتهم كدواب؛ ومن ثم كان لا بد من إخراجهم من هذه المنازل.»
عندها، تقرر التوجه إلى المستعمرات الزراعية، ومنذ عام 1847، أنشئت المستعمرة الزراعية فيتز-جيمس بمشفى كليرمون (إلواز) بناء على فكرة قديمة لفيريس: جعل المرضى عقليا يحيون بالكامل داخل وحدة زراعية مرتبطة بالمشفى، وكأنها مزرعة - مثل المزارع الموجودة في العديد من المصحات - ولكنها أصبحت هي المصحة ذاتها. وفي عام 1861، صدر كتاب ساهم في جعل فيتز-جيمس نموذجا «للمستعمرات»: «من وجهة نظر طبية، يقوم الشرط الأساسي للمؤسسة على بعدها عن المصحة [...] فعلى المستعمرة أن توفر لمن هم في فترة النقاهة وللمرضى المسالمين الذين هم في طور العلاج، الوسائل التي تعجل بتحسن حالتهم؛ فعليها إذن أن تطور من قواهم البدنية من خلال التطبيق الحكيم لهذه الأعمال، وتؤدي جاذبية هذا إلى حدوث تحسن في طبيعة إصابتهم العقلية، وتقود الحرية التي يعيشون فيها إلى تسهيل دخولهم تدريجيا في تفاصيل عادات حياتهم الخاصة.»
27
ولكن إذا نظرنا عن كثب، فسنجد أن تلك الحياة في المزرعة جبرية مثلها مثل المصحة: فممارسة الأعمال الترفيهية فقط من حق النزلاء الذين سددوا النفقات، أما الفقراء فيجبرون على القيام بأعمال إنتاجية. والأسوأ أن المهام المختلفة تقسم هذه المرة بالنظر إلى الفئات المرضية. ففي بيكريل - الملحق الذي تتم فيه أعمال الغسيل للمصحة كلها - نجد المرضى بالهذيان الصاخب يقومون بطرق الأحواض، بينما يقوم المصابون بالاكتئاب بفرد الغسيل، والمصابون بالهوس بفكرة مسيطرة ولكن يقومون بتطبيقه الهادئون، وأخيرا يتولى البله والأغبياء مسئولية نقله. فالأمر إذن أصبح يشبه استخدام المرضى عقليا بالسخرة، كما تبدو طريقة استغلال أنواع مرضهم أمرا مثيرا للجدل. إلا أن المسئول عن فيتز-جيمس لم يكن يشعر بذلك، فما يهم هو «أن يكتسب المرضى الميئوس من شفائهم من النظام وانتظام وتيرة الحياة - وهي العناصر الأساسية التي يعنى بها - عادات الترتيب والعمل التي تجعل منهم عمالا مطيعين ومجتهدين.»
في جميع الأحوال اقتصرت الفكرة على التحول من المشفى المقيد إلى المصحة الريفية؛ الأمر الذي غير، ربما جذريا، خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ليس المؤسسة العلاجية للأمراض العقلية نفسها، بل تنظيمها الداخلي ومعمارها. هذا ما يسمى بالأبواب المفتوحة. ولقد أتت هذه الفكرة (لا نجرؤ على القول الموضة) أيضا من إنجلترا، وهي تقول بفتح، لا أبواب المصحة الخارجية، وإنما على الأقل الأبواب داخلها؛ فقد انتهى عهد المصحات العقلية التي تشبه الثكنة العسكرية. وبدأ إنشاء مؤسسات علاجية ضخمة في الريف. «يجب أن تمتلك المباني المكونة للمصحة طابع منازل المعيشة، وليس دور الإقامة الجبرية. وظهرت تلك الغرف والفيلات المبهجة الأنيقة والمريحة دون أسوار تحجب الأفق، بل ويحيطها الحدائق والحقول الزراعية التي تبعد أي فكرة قيد أو حبس. وتعطي مجموعة هذه المباني بتجمعاتها الرائعة صورة قرية صغيرة وليس مصحة.»
28
بالطبع، ما يجب أن تتحول هي المؤسسة ذاتها، وليس مصحة الأمراض العقلية وحدها. فالعزل داخل زنزانة «يضر بطرق مراقبة المرضى».
29
Unknown page