Taqaddumiyya Muqaddima Qasira
الحركة التقدمية في أمريكا: مقدمة قصيرة جدا
Genres
شكل 4-1: ويليام إدوارد بيرهارت دوبويز، أول أمريكي من أصل أفريقي يحصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفرد، وهو مؤسس الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، ومحرر مجلة «ذا كرايسيس» التي تصدرها.
كان الأمريكيون من أصل أفريقي - لا يزال ما يزيد على 90 في المائة منهم يعيشون في الجنوب - ممنوعين بحكم القانون من التصويت في جميع ولايات الجنوب، ويعيشون تحت وطأة التهديد المستمر بالإعدام دون محاكمة والطرد من أي ملكية خاصة بهم، وقد تعرضوا لأسوأ نظم التمييز العنصري منذ نهاية العبودية نفسها بتطبيق قوانين جيم كرو. يمكن وصف السياسيين الجنوبيين أمثال فاردامان حاكم ميسيسيبي وتيلمان حاكم ساوث كارولينا بأنهم تقدميون فيما يتعلق بالقضايا غير العرقية (الضرائب والمدارس وإصلاح السجون) ولكنهم أيدوا في الوقت نفسه عمليات الإعدام دون محاكمة كوسيلة للسيطرة الاجتماعية. وخلال العقد التالي، أسفر «النزوح الكبير» عن توجه الكثير من السود الجنوبيين شمالا إلى شيكاجو وديترويت ومدن أخرى، وغربا إلى لوس أنجلوس، تاركين وراءهم مزارع قاحلة. واجههم التمييز العنصري في الشمال أيضا، لكنهم على الأقل لم يعودوا متخوفين من نظام استئجار المدانين للعمل المطبق بالجنوب (الذي سجن بموجبه السود بتهم ملفقة ثم تم استئجارهم من قبل المزارعين ورجال الأعمال البيض مقابل أجر زهيد)، كان هذا النظام هو بديل العبودية في عصر إعادة الإعمار.
وبالرغم من كل هذا الخلل الاجتماعي، استمرت الإصلاحات السياسية في التحقق. ظهرت قوانين الانتخابات الأولية المباشرة في ولاية تلو الأخرى بعد عام 1901، وبحلول عام 1917، كان أربع وأربعون من بين ثمان وأربعين ولاية تطبقها. في عام 1912 كانت ثلاث عشرة ولاية فقط تتبع الانتخابات الأولية للمرشحين الرئاسيين، ولكن بحلول عام 1916 كان ما يزيد على نصف الولايات يتبع ذلك النهج. وردت قوانين المبادرة والاستفتاء في تشريعات اثنتين وعشرين ولاية بين عامي 1898 و1918، جنبا إلى جنب مع الانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ، في العديد من الولايات قبل تمرير التعديل السابع عشر على المستوى الفيدرالي. وفي ولايات وايومنج وكولورادو وإيداهو ويوتا عام 1908، كانت النساء يدلين بأصواتهن لاختيار الرئيس. انضمت ولاية واشنطن عام 1910 وولاية كاليفورنيا عام 1911 وولاية أوريجون عام 1912 إلى الولايات التي أعطت المرأة الحق في الانتخاب في الغرب. وبالإضافة إلى الإصلاحات التشريعية على المستوى المحلي ومستوى الولايات، استمر الصحفيون الإصلاحيون الكاشفون للفساد في كشف النقاب عن الصلات المشبوهة بين رجال الأعمال والسياسيين، وبيع العقاقير الضارة للمستهلكين، واحتيال شركات التأمين، وغير ذلك من الانتهاكات الشنيعة. قويت شوكة حركتي الإنجيل الاجتماعي ومراكز التكافل الاجتماعي، وبدأ العمل الاجتماعي المهني في التصدي لظاهرة الفقر بالحضر. نشر عالم الاجتماع إدوارد ألسورث روس من ويسكونسن كتابه الذائع الصيت «الخطيئة والمجتمع» عام 1907، الذي أكد فيه أن الخطيئة لم تعد شأنا فرديا فحسب وإنما شأن اجتماعي، وأن انتخاب أشخاص صالحين لم يعد كافيا، وأن المجتمع بحاجة إلى إصلاح هيكلي، كما واصل زميله عالم الاقتصاد جون آر كومنز نشر دراساته التجريبية عن أوضاع العمالة، التي استند إليها التشريع الإصلاحي الذي أصدره الحاكم روبرت إم لافوليت. وفي جامعة شيكاجو، أسس الفيلسوف التربوي جون ديوي «مدرسة مختبرية» عام 1896؛ ومن ثم أطلق العنان للتعليم التقدمي، الذي يبني التعليم على الخبرة لا النظرية. أصبح ديوي وويليام جيمس الأستاذ بجامعة هارفرد هما الداعيين الرئيسيين للبراجماتية، التي تعتبر بالقطع المدرسة الأمريكية في الفلسفة، بتأكيدها على المعرفة العملية بدلا من المجردة، أو على حد تعبير جيمس: «القيمة النقدية للأفكار». ساعدت البراجماتية (التي أطلق عليها ديوي «الذرائعية») في تدعيم الأبحاث التجريبية الخاصة بآلية العمل الحقيقية للمجتمع، التي قادت بدورها إلى القوانين الإصلاحية التقدمية. ازدهرت المناهج والمعايير المهنية في العلوم الاجتماعية (الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا)، وفي التاريخ وفي التدريب الطبي والقانوني.
كان آخر إجراء هام أثناء عهد تافت هو إنشاء الكونجرس للجنة العلاقات الصناعية الأمريكية في صيف عام 1912. دعم رواد العمل الاجتماعي وعلماء الاجتماع الأكاديميون وأتباع حركة الإنجيل الاجتماعي تلك اللجنة، وحظوا بدعم صامويل جومبرز، رئيس الاتحاد الأمريكي للعمل، والاتحاد المدني الوطني ذي التوجه التجاري. صدق تافت على القانون واقترح قائمة أسماء محافظة بعض الشيء لتكون أعضاء اللجنة. استطاع المؤيدون تأجيل التعيينات حتى تولي وودرو ويلسون عضو الحزب الديمقراطي الرئاسة، الذي عين مجموعة ذات توجه إصلاحي أكثر. كان رئيس اللجنة محاميا صارما من مدينة كانساس سيتي، وهو فرانك بي والش. في عام 1916، قدمت اللجنة تقريرا من أحد عشر جزءا توصي فيه بمعاشات للأرامل، والحضور الإلزامي للطلاب بالمدارس، ومحاكم للأحداث، وغير ذلك الكثير؛ كان ذلك التقرير بمنزلة بيان بمقترحات العدالة الاجتماعية التقدمية. تبنت حكومات الولايات بعضا من هذه المقترحات، وتبنت الحكومة الفيدرالية البعض الآخر. شارك والش في رئاسة مجلس عمالة الحرب بقرار من الرئيس ويلسون عام 1918، وأيد والش حقوق العمال في إنشاء نقابات، وحد أدنى للأجور، وتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا، وتساوي النساء مع الرجال في الأجر. كذلك دافع والش عن الحريات المدنية في وجه موجة قوانين التحريض على الفتنة فيما بين عامي 1918 و1920. وقد انعكست فلسفته - التي تعد الجسر الذي يربط بين الحركة التقدمية وبرنامج «الصفقة الجديدة» الخاص بثلاثينيات القرن العشرين - بوضوح في مقال كتبه في ذكرى عيد العمال عام 1918:
وفقا للنظرية التي ... توارثناها، إن الوظيفة الرئيسية للحكومة هي حماية الملكية وإفساح المجال أمام الناس لاكتسابها، وفي الواقع العملي، كما نعرف، كانت وظيفة الحكومة في أحوال كثيرة للغاية ومن منطلق تلك الرخصة هي حماية أصحاب الملكية من أجل استغلال الحياة الإنسانية ... اسمحوا لي ... أن أنضم إليكم في احتفالكم بعيد العمال بوصفه يوما للوعد بأن الحق في الربح لن يكون مجددا أبدا أكثر أهمية من الحق في الحياة.
كانت تلك التغييرات جميعها حضرية، وكانت جزءا مهما وراسخا من تاريخ الحركة التقدمية. لا ريب أن الحركة التقدمية اكتسبت قدرا كبيرا من دعمها - الدعم الأبرز والأوضح بالطبع - من المحررين وأساتذة الجامعات والسياسيين والمهنيين ومناصرات العدالة الاجتماعية من مختلف الصور. عاش هؤلاء المصلحون في مدن كبيرة ومتوسطة، في الشمال الشرقي، وولايات البحيرات العظمى والغرب من دنفر إلى ساحل المحيط الهادئ. من بين الزعماء «الأربعة الكبار» الذين قادوا الحركة التقدمية الوطنية، كان ثيودور روزفلت فقط من يمكن وصفه بأنه من أبناء المدينة؛ فقد ولد وترعرع في ظروف أرستقراطية في نيويورك. اتخذت وسائل إعلام ذلك العصر من المدن الكبرى مقرات لها، وليس من المفاجئ أن الحركة الإصلاحية في المناطق الحضرية استحوذت على اهتمام وسائل الإعلام. بيد أن برايان لم ينشأ في المدينة، وكان لافوليت منحدرا من بلدة صغيرة، وكان وودرو ويلسون من أبناء الجنوب.
من ثم، لم تكن المدن بأي حال هي المنبع الوحيد للحركة التقدمية. ثمة عنصر رئيسي في الحركة التقدمية - وهو بالتأكيد أساس نجاحاتها على المستوى الفيدرالي - كثيرا ما يتم تجاهله؛ ذلك العنصر هو القاعدة الزراعية القوية للحركة. من المهم تذكر أن الولايات المتحدة قبل عام 1920 كانت مجتمعا ريفيا بدرجة كبيرة، عاش أغلب شعبها في المزارع أو القرى الريفية الصغيرة، وتركز قدر كبير من الاقتصاد والعمل في الزراعة أو ارتبط بها؛ آلاف الشوارع التجارية المركزية في البلدات والمدن الصغيرة، ومكاتب الشحن البريدي ومصانع المعدات الزراعية في المدن والبلدات الكبرى، وصناعات الجرارات والمركبات، والسكك الحديدية وغير ذلك الكثير، إلى جانب الأعداد الكبيرة التي اشتغلت بالزراعة بالفعل. مثل الجنوب أكبر المناطق الريفية (ما يزيد على 77 في المائة عام 1910)، لكن منطقتي الغرب الأوسط (وبخاصة ولايات البحيرات العظمى) والغرب استمرت الأغلبيات الريفية في الهيمنة عليهما قبل عام 1920. كانت منطقة الشمال الشرقي هي الوحيدة التي ضمت أغلبية حضرية، وذلك منذ عام 1880.
حظي الزراعيون - ليس فقط الفلاحين، بل سكان البلدات الصغيرة الذين ارتبط نشاطهم الاقتصادي بالزراعة أو اعتمد عليها، والذين أمضوا حياتهم في إطار ثقافات ريفية أو خاصة ببلدات صغيرة - بفرصة الهيمنة على العمل السياسي؛ فقد سيطرت قوتهم الانتخابية على الكثير من دوائر الكونجرس في الجنوب والغرب الأوسط والغرب، وفي المناطق الحضرية، اضطر العمال الذين ربما اتحدوا مع الزراعيين، والذين شكلوا واحدة فقط من بين الجماعات ذات المصالح المشتركة العديدة إلى التنافس مع المؤسسات التجارية وغيرها للاستحواذ على اهتمام أعضاء الكونجرس؛ لذلك، وعلى الرغم من الجهود المستمرة التي بذلها برايان وغيره من قادة الإصلاح الزراعي، لم يقدم العمال والنقابات العمالية للزراعيين سوى دعم ضعيف ومتقطع. جاءت الانتصارات الزراعية الكبرى فيما بين عامي 1910 و1917، وتمثلت في الفوز بتشريعات فيدرالية تقدمية على يد الديمقراطيين بالجنوب والغرب الأوسط والغرب، والجمهوريين المتمردين في الغرب الأوسط. وكما لاحظت إليزابيث ساندرز، أستاذة العلوم السياسية: «كان الديمقراطيون المهمشون [الزراعيون] وحلفاؤهم من العمال الأقل عددا بالشمال هم من دعم بشدة البرنامج التقدمي.»
حاول حزب الشعب في تسعينيات القرن التاسع عشر، جنبا إلى جنب مع الديمقراطيين من أتباع برايان عام 1896، تشكيل تحالف إقليمي (بين الغرب والجنوب) ولا عرقي بين العمال والمزارعين، لكن الشعبويين تداعوا فوق صخرة القضية العرقية الشقاقية في الجنوب، التي استغلها معارضوهم لاستمالة الناخبين البيض. وعندما كان الشعبويون يؤكد بعضهم لبعض أن السود «في الخندق نفسه مثلنا تماما»، كان بإمكان أحد الديمقراطيين من الجنوب أن يجيب: «لكنهم ليسوا مثلنا، إنهم سود.» رأى الكثيرون أن العرق أهم من الطبقة الاجتماعية، تردد أبناء الجنوب في التخلي عن الولاء التقليدي للحزب الديمقراطي، وتردد أبناء الغرب الأوسط في التخلي عن ولائهم للحزب الجمهوري، من أجل حزب الشعب. كذلك أخفق برايان - لا لانعدام رغبته في المحاولة - في الفوز بدعم العمال في مدن البحيرات العظمى والشمال الشرقي.
بيد أنه بحلول عام 1905 تقريبا، بدأ الكثير من أبناء الجنوب والغرب الأوسط (والغرب) في إدراك أنه لا يتحتم على المرء أن يكون شعبويا كي يصير مؤيدا للإصلاح الزراعي؛ فالمصالح الاقتصادية للمزارعين وهؤلاء المرتبطين بالزراعة فاقت أهمية التوصيفات السياسية؛ إذ يمكن أن يصير المرء ديمقراطيا مؤيدا للإصلاح الزراعي على غرار برايان والكثير من أبناء الجنوب، أو جمهوريا مؤيدا للإصلاح الزراعي على غرار لافوليت أو جورج نوريس أو جيلبرت هيتشكوك ابن نبراسكا، أو الجمهوريين بولاية كانساس الذين ناهضوا الشعبويين في السابق على غرار جوزيف بريستو أو فيكتور ميردوك أو ويليام ألين وايت. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن الشعبويين لم يظهروا احتراما كبيرا لمؤيدي بريستو ووايت، فقد بدأت أفكارهما تبدو منطقية يوما بعد يوم وحظيت بالدعم في نهاية المطاف. كانت خطط برايان من عام 1896 وعلى مدار العشرين عاما التالية مستوحاة إلى حد بعيد من برنامج أوماها الخاص بالشعبويين لعام 1892، ومن بين مقترحات ذلك البرنامج، لم يظفر مؤيدو الإصلاح الزراعي قط بملكية وطنية للسكك الحديدية ونظام التلغراف؛ أو بالمشروع الأبرز الذي سعى وراءه حزب الشعب بتكساس: الخزانة الفرعية. لقد عجزوا كثيرا عن جعل النظام الرأسمالي ديمقراطيا على نحو جوهري، بيد أنهم خلال الأعوام من 1909 إلى 1918 نجحوا في نقل مجموعة مبهرة من المقترحات إلى داخل الكونجرس، ثم إجازتها كقوانين: تقليل الرسوم الجمركية، وضريبة دخل تصاعدية فيدرالية، وقوانين مناهضة للاحتكار أكثر صرامة، وعملة أكثر تداولا (ليست الفضة، بل الأفضل منها، عملة ورقية تدعمها الحكومة)، وتمويل فيدرالي للتعليم الزراعي، وتسويق المزارع، وإنشاء طرق سريعة، ودعم الجمعيات التعاونية، وانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بالتصويت الشعبي بدلا من الهيئات التشريعية للولايات (القابلة للفساد)؛ واستمرارا في التمسك بأمل الدعم العمالي، سنت قوانين تنظيمية على عمالة النساء والأطفال.
Unknown page