وقد يوجد المتقدم بالمرتبة أيضا فى العلوم البرهانية، فإن المقدمات قبل القياسات والنتائج والحروف قبل الهجاء، والصدر فى الخطبة قبل الاقتصاص، وههنا مواضع إشكال وهو أن لقائل أن يقول: إن الأمثلة المذكورة فى هذا الموضع داخلة فى الباب الأول؛ فإن المقدمات قبل القياس ليس فى المرتبة بل فى الطبع، فإنه إن كان القياس كانت المقدمات ، وليس إن كانت المقدمات كان القياس، وكذلك الحال فى الحروف والهجاء،، فنقول فى جواب ذلك، إنه وان كان الأمر كذلك فليس يمتنع أن يكون المتقدم بالطبع متقدما فى المرتبة من وجه آخر؛ وذلك لأن النظر ههنا فى المقدمة ليس بحسب نفسها ولكن بحسب استعمالنا إياها فى التعليم. ونحن نتناول المقدمات مرة على طريق التحليل ومرة على طريق التركيب؛ فإن سلكنا مسلك التركيب كانت المقدمات قبل القاسات، وإن سلكنا سبيل التحليل بأن فرضنا أولا النتيجة وطلبنا وسطا، كما ستعرف بعد، انعقد لنا القياس بعد النتيجة؛ ولأن أخذ الوسط بين الطرفين على أنه مشترك بينهما فى مثل هذا الموضع هو قبل تخصيصه بأحدهما حتى تحصل إحدى المقدمتين بصفة وتخصيصه بالأخرى حتى تحصل الأخرى بصفة؛ فيكون القياس أولا ما بينا ثم يتدرج منه إلى أعتبار مقدمة مقدمة ما حالها. وكذلك الأمر فى الهجاء والحروف. فقد ظهر أن الترتيب الواحد يكون موضوعا للتركيب والتحليل؛ ويكون ابتداء التركيب غير ابتداء التحليل، وكون المتقدم بحسب التحليل غير المتقدم بحسب التركيب، وذلك بحسب استعمالنا المقدمة؛ فهى وإن كانت متقدمة بالطبع، من حيث نفسها، فليست متقدمة بالطبع من حيث انتهاؤنا إليها بالتحليل. على أن النتيجة قد يجوز أن تكون من مقدمات أخرى، وعلى أنا فى اعتبار التقدم فى المرتبة لا نلتفت إلى حال الشىء فى نفسه ولا إلى حاله من جهة استعمالنا، بل إنما نلتفت إلى حال نسبته إلى طرف ينتهى إليه. والمقدمات المنتظمة من الأوائل وما يجرى مجراها إلى النتيجة القصوى المقصودة منتظمة بين طرفين أحدهما النتيجة والآخر المبدأ الأول، فما هو أقرب من النتيجة فهو أبعد من المبدأ الأول، وما هو أقرب من المبدأ الأول فهو أبعد من النتيجة. وقد تختلف مقدمتان فى القرب من جانب والبعد من جانب لآخر، فيصير أحدهما أقرب منه والآخر أبعد ويكون حكمهما بالقياس الى الطرف الآخر مخالفا، أو يكون أبعدهما من الطرف الأول أقربهما من هذا الطرف الآخر، وأقربهما من ذلك الطرف أبعدهما من هذا الطرف. وأما القسم الرابع من المتقدم وهو المتقدم بالشرف فهو كما يقال: إن أبا بكر متقدم على عمر.
وههنا قسم للمتقدم مشهور نذكره على وجه ونحققه فى صناعة الفلسفة وذلك هو المتقدم بالعلية. فإن السبب متقدم على السبب، وإن كان لا يوجد أحدهما إلا وقد وجد الآخر، وليس أحدهما متقدما بالطبع على الوجه المذكور من المتقدم بالطبع ههنا، وإن كان قد يقال المتقدم بالطبع على المتقدم بالعلية وبالذات. وهذا التقدم مثل وجود الإنسان فى نفسه وإحقاق قول القائل إنه موجود؛ فإنه كلما كان القول بأنه موجود صادقا فهو موجود؛وكلما كان موجودا فالقول بذلك صادق. ولكن الناس لا يتحاشون أن يقولوا: إنه كان أولا موجودا ثم كان القول بوجوده صادقا؛ أو حتى كان القول بعد ذلك بأنه موجود صادقا ويتحاشون أن يقولوا إنه كان القول بوجوده صادقا أولا ثم كان هو موجودا أو حتى كان هو موجودا. وكذلك الحركة التى ليد زيد، إذا اختارها فحرك لا محالة ما يلاقيه وحرك القلم، فإن الناس يتصورون لقولهم زيد حرك يده أولا فتحرك ما يلاقيه أة تحرك القلم معنى يمنعون صدقه فى قولهم إنه يحرك ما يلاقى يده أة يحرك القلم حتى حرك هو يده؛ فهذا المعنى هو التقدم العلى؛ فإن العلة، وإن كانت من حيث هى ذات ومعلولها ذات لا تتقدم ولا تتأخر، ولا يكونان معا، وكانت، من حيث هى علة، لزمها الإضافة، والآخر معلول لزمه الإضافة لا يتقدم أحدهما أيضا ولا يتأخر، بل هما معا فإن الأول من حيث وجوده ليس عن الآخر ووجود الآخر عنه فهو متقدم بالنسبة إلى حال الوجود وتكون له النسبة إلى الوجود غير متوسط فيها وجود الآخر، والآخر لانسبة له إلى الوجود إلا ومتوسط فيها وجود الأول. وستجد هذا المعنى كالحاصل فى سائر أنحاء التقدم لكل بحسبه.
Page 149