وقد جرت العادة أن يذكر بعد المتقابلات المتقدم والمتأخر. والحال فى ذلك كالحال فى المتقابلات، أعنى أن توفية حق الاستقصاء فيه ليس فى مداخل التعليم فيجب أن نقتصر على إيراد المشهور وعلى محاذاة التعليم الأول، وأما التحقيق فستجد تفاريقه فى مكانه. فالوجه الأول من التقدم هو الذى يكون بالزمان؛ فان الأكبر سنا أقدم من الأحدث،والوجه الثانى ما يقال له إنه متقدم بالطبع، وقد حد أنه هو الذى لا يرجع بالتكافؤ فى لزوم الوجود، كحال الواحد، عند الاثنين، فإنه إن كانت الاثنينية موجودة فالوحدة موجودة، ولا ينعكس مكافئه، فليس إن كانت الوحدة موجودة، فالاثنينية لا محالة موجودة. ومن المشهور أن ما يكون كذا فهو متقدم بالطبع وليس فى المشهور له شرائط وأما تحصيل الأمر فى ذلك فيؤخر إلى صناعة أخرى.
وأما الثالث فهو المتقدم فى المرتبة على الإطلاق؛ وهو الشىء الذى تنسب إليه أشياء أخرى فيكون بعضها أقرب منه وبعضها أبعد، مثل الجنس الأعلى فى حكم الجنسية والنوع السافل فى حكم النوعية. وأما بعد المطلق فذلك ما هو أقرب المنسوبين إلى هذا المنسوب إليه منه، فإن ما هو أقرب للاثنين من هذا المنسوب إليه فهو أقدم فى المرئية مثل الجسم فإنه يتقدم على الحيوان إن اعتبرت الابتداء من الجنس الأعلى، والحيوان أقدم من الجسم، إن اعتبرت ذلك من النوع الأسفل. والمتقدم بالمرتبة ليس يجب له بذاته أن يكون متقدما، بل بحسب اعتبار النسبة المذكورة، ولذلك قد ينقلب الأقدم فيصير أشد تخلفا. وكما أن الترتيب قد يوجد فى الأمور طبعا مثل ما فى ترتيب الأنواع والأجناس التى بعضها تحت بعض وفى ترتيب أوضاع الأجسام البسيطة، وقد يكون وضعا كترتيب الصفوف فى المكان منسوبة إلى مبدأ بالوضع، كالبلد الفلانى مثلا أو كدار فلان، كذلك المتقدم بالترتيب قد يكون فى أمور طبيعية، وقد يكون فى أمور وضعية.والمتقدم فى المكان من هذه الجملة قد يكون بالوضع كالصف الأول من صفوف المجلس، وقد يكون بالطبع كالنار المستقرة فى مكانها بالقياس إلى الهواء.
Page 148