ولم يتغير صوت المدعي العام أدنى تغيير حين كان يصدر أمره بذلك، كما لو كان مدير أحد البنوك يصدر تعليماته بصرف مائتي بيزو إلى أحد العملاء.
ولم يفهم «روداس» شيئا. ورفع رأسه وتطلع إلى الزبانية الحفاة الذين كانوا في انتظاره. وزادت حيرته حين رأى وجوههم الهادئة الجامدة الخالية من أي تعبير عن الدهشة. وحول الكاتب وجهه المليء بالنمش وعينيه الجامدتين نحوه. وقال رئيس الحراس شيئا للمدعي العام. وقال المدعي العام شيئا لرئيس الحراس. لم يسمع كلامهما، ولم يفهم ما كان يجري حوله. ولكنه شعر وكأنه على وشك أن يتبرز في ملابسه حين صرخ رئيس الحراس فيه بأن يذهب إلى الحجرة المجاورة، وهي صالة طويلة ذات سقف مقبب، وأعطاه لكزة وحشية في صدره حين وصل إلى متناول يده.
وحين دخل السجين الآخر، «لوسيو فاسكيز»، الحجرة، كان المدعي العام لا يزال يتفجر سخطا على روداس: لا فائدة من معاملة هذا النوع معاملة حسنة! إن ما يحتاجون إليه هو العصا، ثم العصا.
ورغم أن فاسكيز قد شعر أنه في وسط أهله، إلا أنه لم يكن يثق فيهم بأي حال، خاصة حين سمع ملاحظة المدعي العام. إن وجود أية علاقة له بهروب الجنرال كاناليس، حتى ولو ضد رغبته، تهمة خطيرة للغاية، ويا لشد ما كان حمقه! - اسمك؟ - لوسيو فاسكيز. - هل ولدت هنا؟ - هنا. - في السجن؟ - كلا، طبعا لا. في العاصمة. - متزوج أم أعزب؟ - أعزب طول عمري.
أجب عن الأسئلة بلياقة! المهمة أو الوظيفة؟ - موظف حكومي. - هل اعتقلت؟ - أجل. - بأي تهمة. - القتل أثناء الخدمة. - سنك؟ - ليس لي سن. - ماذا تعني بألا سن لك؟ - لا أعرف كم سني، ولكن أكتب خمسا وثلاثين إذا كان لا بد وأن تكون لي سن! - ماذا تعرف عن مقتل الأبله؟
وجه المدعي العسكري العام ذلك السؤال إلى السجين في الصميم وهو يتطلع إلى عينيه مباشرة؛ بيد أن كلماته، على عكس ما كان يتوقع، لم تخلق أي تأثير على معنويات فاسكيز، الذي رد بصورة طبيعية وهو يكاد يحس بالرضا الكامل: «إن ما أعرف عن مقتل الأبله هو أنني قتلته بنفسي.» ثم كرر ما قاله مشيرا بيده إلى صدره حتى لا يبقى هناك أي شك في الأمر: «أنا قتلته!»
وزأر المدعي العام قائلا: وهل تأخذ هذا الأمر هكذا على محمل المزاح، أو أنك من الجهل بحيث لا تدرك أن هذا قد يكلفك حياتك؟ - ربما ... - ماذا تعني بربما؟
ومرت برهة على المدعي العام لم يعرف خلالها ماذا يفعل؛ فقد أحس بالارتباك من الهدوء الذي يتملك فاسكيز، ومن صوته المشابه لصوت الجيتار ، وعينيه الحادتين. واتجه إلى الكاتب كيما يكسب وقتا. - اكتب ... وأضاف في صوت مرتعد: اكتب أن لوسيو فاسكيز يقرر أنه قتل الأبله، بالاشتراك مع خينارو روداس.
فتمتم الكاتب من بين أسنانه: لقد كتبت ذلك بالفعل.
فقال فاسكيز بهدوء، برنة صوت فيها شيء من المزاح جعل المدعي العام يعض شفتيه: إني أرى أن الأستاذ لا يعرف الكثير عن هذا الأمر. ماذا يعني ذلك القرار؟ إن أي شخص بإمكانه أن يرى أنني لم ألوث يدي من أجل أبله سائل اللعاب ... - احترم المحكمة، وإلا سأكسر دماغك! - إن ما أقول في صميم الموضوع. أقول لك إنني لست من الحماقة بحيث أقتل ذلك الأبله لمجرد القتل؛ ذلك أنني فعلت ما فعلت بناء على أوامر صريحة من السيد الرئيس. - اخرس أيها الكاذب ... ها ... ستكون مهمتنا سهلة إذا ...
Unknown page