لا أستطيع ... - اسكت من فضلك، وسلمني كل ما تحمل معك على الفور. - «فارفان!» - أقول لك سلمني ما معك. - كلا، استمع إلي يا ميجور! - هيا، نفذ ما أقوله لك، نفذ ما أقوله لك. - من الأفضل أن تستمع أنت لي يا ميجور. - فلتكف عن وعيدك هذا! - إني أحمل معي تعليمات سرية من السيد الرئيس ... وأنت ستكون المسئول ... - فتشه أيها العريف! سيرى حالا من هو السيد هنا!
وظهر في الظلام شخص معصوب الوجه. كان في نفس طول قامة ذي الوجه الملائكي، وفي نفس شحوبه، وله نفس لون شعره البني الفاتح. وأخذ كل ما كان العريف يستولي عليه من جيوب ذي الوجه الملائكي الحقيقي وما يرتديه (جواز السفر، الشيكات النقدية، خاتم الزواج المحفور عليه اسم زوجته - وقد انتزع منه هذا الخاتم بعد أن بلل الإصبع برضاب فمه، أزرار القميص، المناديل) واختفى على الفور.
وبعد ذلك بفترة، رنت في الفضاء صفارة السفينة. وغطى السجين أذنيه بيديه. كانت الدموع تعمي عينيه. كان يود لو أمكنه أن يكسر الباب ويهرب، يجري، يطير، يعبر البحر، يتوقف عن أن يكون الرجل الذي كانه يا للبحر الهائج الذي يهدر تحت جلده، ويا للندبة التي تحترق في لحمه، وأن يصبح ذلك الرجل الآخر الذي يرحل الآن إلى نيويورك حاملا أمتعته ومنتحلا اسمه في القمرة رقم 17.
الفصل التاسع والثلاثون
الميناء
كان كل شيء هادئا وسط السكون الذي يسبق تغيير المد، ما عدا أصوات الجداجد (الرطيبة من رذاذ البحر والنجوم تتوهج على أغلفة أجنحتها)، وصورة المنارة منعكسة على صفحة المياه كدبوس المشبك في وسط الظلمة، والسجين يذرع مقصورة القطار جيئة وذهابا وقد غطى شعره جبهته وتهدلت ملابسه، كما لو كان قد اشترك لتوه في أعمال شغب. لم يكن يستطيع الجلوس؛ وطفق يصدر إيماءات وحركات تماثل أفعال نائم يدفع عن نفسه - بالآهات والشكايات - يد الإله التي تجذبه نحو المصير المحتوم: إما أن تثخنه الجراح، أو يموت موتا مفاجئا، أو يكون ضحية من ضحايا الجرائم، أو يبقر بطنه.
وطفق يردد: «إن «فارفان» هو أملي الوحيد. لو لم يكن الكولونيل فارفان هنا، من يعرف ماذا كان يحدث! إنه على الأقل سوف يخطر زوجتي إذا هم قتلوني ودفنوني».
وانبعث صوت ضربات ثقيلة، كما لو أن هناك قدمين تركلان عربة القطار، التي وقفت ساكنة على القضبان تحيط بها ثلة من الحرس المسلحين. بيد أن ذا الوجه الملائكي كان يطير بفكره بعيدا هناك، بين القرى الصغيرة التي مر عليها القطار لتوه، غارقة في حمأة الظلمة أو في غبار الأيام المشمسة الذي يعمي الأبصار، والتي تتغذى على الخوف من الكنيسة والمقبرة. لم يكن هناك من حي سوى الإيمان والموتى.
ودقت ساعة الثكنة العسكرية الواحدة صباحا. واهتزت شبكات العنكبوت. لقد أتم عقرب الساعة الكبير دورة منتصف الليل. ودفع الميجور «فارفان» ذراعه اليمنى أولا في كسل في سترته، ثم الذراع اليسرى ، وبدأ يفك أزرارها ببطء مماثل، بادئا بالزر الذي فوق السرة؛ لم يكن يرى شيئا مما أمامه على الجدار: خريطة للجمهورية على صورة فم يتثاءب، ومنشفة يغطيها مخاط جاف وذباب نعسان، وسرج، وبندقية، وجربندية.
1
Unknown page