وترددت وقع الأقدام من أعماق الأرض: راتبلان ... راتبلان ... راتبلان!
وردت القبائل: «سننفذ ما تطلب على شرط أن تقوم يا واهب النار بإعادة النار إلينا، حتى لا يتجمد بعد الآن لحمنا، ولا الهواء، ولا أظافرنا، ولا ألسنتنا، ولا شعرنا! على شرط ألا تمضي في تدمير حياتنا وإخضاعنا إلى حياة هي الموت ذاته!» وقال «توهيل» «إني راض!»
وتردد وقع الأقدام من أعماق الأرض: راتبلان ... راتبلان ... راتبلان! - «إني راض! إني أستطيع أن أسود الرجال الذين يصيدون رجالا. ولذلك فلن يكون هناك لا موت حقيقي ولا حياة حقيقية. والآن، ارقصوا رقصة الأبواق من أجلي!»
وتناول كل محارب صياد بوقه ونفخ فيه نفخا متواصلا دون أن يتوقف لالتقاط أنفاسه، على إيقاع الطبول والصدى ونغمات الهواء، مما جعل عيني «توهيل» ترقصان.
وبعد هذه الرؤيا العجيبة التي ليس لها ما يفسرها، استأذن ذو الوجه الملائكي من الرئيس، وعند خروجه، ناداه وزير الحربية وناوله رزمة أوراق مالية ومعطفه. قال بصعوبة: ألست خارجا يا جنرال؟ - وددت لو استطعت. ولكن ربما لحقت بك هناك، وإلا فسنتقابل يوما آخر، علي أن أكون هنا الآن، كما ترى، ولوى رأسه فوق كتفه الأيمن «أستمع إلى صوت سيدي».
الفصل الثامن والثلاثون
الرحلة
وذلك النهر الذي كان يتدفق فوق السطح حينما كانت هي تحزم الأمتعة لم يصب في داخل المنزل، بل بعيدا جدا، في الفضاء الواسع المفضي إلى الريف، أو ربما إلى البحر. وهبت ريح قوية فتحت النافذة، وانهل المطر كما لو كان الزجاج قد انصدع نثارا، وتطايرت الستائر والأوراق، وانصفقت الأبواب، ولكن كميلة مضت في مهمتها، معزولة وسط الحقائب التي كانت تملأها. ورغم أنها أحست بالبرد حتى نخاع عظامها، فلم يبد شيء في عينيها لا مكتملا ولا مختلفا، فكل شيء بدا لها خاويا، متقطعا، لا وزن له، هلاميا، لا روح فيه، تماما مثلها هي نفسها.
قال ذو الوجه الملائكي وهو يغلق النافذة: أمن الأفضل البقاء هنا، أم في مكان آخر بعيدا عن متناول ذلك الوحش؟ ما رأيك؟ لقد أردت ذلك تماما، ولكني ربما أكون أهرب بعيدا! - ولكن ... بعد الذي رويته لي عن أولئك السحرة الأطباء المتوحشين الذين يرقصون في بيته ...
فرد بينما قعقعة الرعد تغطي على صوته: هذا لا يستحق أن يكون مدعاة للقلق. ومع ذلك، فما الذي يمكن أن يكتشفوه عني بسحرهم وتنجيمهم؟ فعلى كل حال، إنه هو نفسه الذي يبعث بي إلى واشنطن، وهو الذي يتكفل بنفقات رحلتي. آه يا إلهي! قد يبدو كل شيء مختلفا تماما حين أكون بعيدا. كل شيء محتمل. إنك سوف تلحقين بي، بحجة أنك مريضة، أو أنني أنا نفسي مريض؛ وبعد ذلك، بوسعه أن يبحث عنا كيفما شاء! - ولكن، افرض أنه منعني من السفر إليك؟ - حسنا، حينئذ سوف أعود أدراجي وأبقي فمي مغلقا، ولن يكون الوضع أسوأ حالا! ذاك عما هو عليه الآن، أليس كذلك؟ إننا لا نخاطر بشيء ... - إنك دائما تظن كل شيء سهلا! - إن لدينا ما يكفينا للعيش في أي مكان نختاره، وأعني العيش، العيش بحق وليس مجرد القيام طوال اليوم بترديد: أنا أفكر بعقل السيد الرئيس إذن فأنا موجود، إني أفكر بعقل السيد الرئيس إذن فأنا موجود ...
Unknown page