أخيرا اعتادت أعيننا الظلام.
تبقى منا ثلاثة عشر شخصا فقط، مكومين في هذه المساحة الضيقة، الطبيب جاك، والممرضة نانسي، وأستاذ جامعي كبير في السن يدعى مارك، ومهندس فرنسي لا أعرف اسمه، وشابان مراهقان، وثلاثة نساء، وثلاثة أطفال، وأنا.
مساحة الغرفة الحصينة لا تتعدى ستة أمتار مربعة، تكدسنا فيها كيفما اتفق، ومخزن ملحق امتلأ بالأطعمة التي استطعنا جلبها، ومئات من قوارير المياه.
لم يكن الأطفال بصحة جيدة، لقد توفي اثنان منهم في الأيام الفائتة، ولم نستطع أن نجازف بدفنهم في الخارج حتى لا يتسرب إلينا الإشعاع، ولم نستطع تركهما ليتعفنا في وسطنا، لحسن الحظ كان مستر جاك عمليا، قام بتصنيع سائل تحنيط بدائي من أغراض مخزن الأطعمة، ووضع الجثث في إحدى الثلاجات.
رائحة العطن الخانقة أصبحت سمة مميزة في المكان فلا توجد وسيلة تهوية، لحسن الحظ أن الغرفة بها دورة مياه مرفقة، بئر تم تغطيتها بالأسمنت كيفما اتفق، بدون وسيلة تصريف للفضلات، مرحاض بدائي لكنه كان يؤدي الغرض.
اعذرني، لقد نسيت أن أعرفك بنفسي، أنا مايكل غروننبيرج، وهذه مذكراتي التي شرعت في كتابتها على سبيل تزجية الوقت، لا أعرف إذا ما كان هناك شخص ما سيقرأ حروفي هذه في يوم ما أم لا، ربما نحن الوحيدون الناجون بعد الانفجار العظيم.
هناك سبب آخر دفعني لكتابة مذكراتي أسره لك في أذنك، أعتبرها رسالة من الماضي ووثيقة أطلانطس المفقودة، إذا ما قضينا في مخبئنا هذا، عسى أن يأتي عالم آثار بعد مئات السنين ينبش تحت ركام الصخور، ويجد هذه الأوراق تفسر له ما حدث في تاريخهم وسبب انقراض أسلافهم.
من حقك أن تعرف كل شيء حتى يروى فضولك، وتروى قصتنا للأجيال التالية، فلن أبخل عليك بالثرثرة.
قبل خمسة أعوام بدأ الإعلام يتناقل أخبارا مرعبة عن فيروس قاتل نشأ في الصين وبدأ ينتشر في آسيا سريعا، لم يكن الأمر مخيفا وقتها، فالصين في الطرف الآخر من العالم، ونحن آمنين إلى حد كبير، وخلال شهر فقط بدأت الأخبار تتناسل تترى عن أن الفيروس اجتاح أستراليا، وأفريقيا، وأوروبا، ولم يبد أن هناك شيء يستطيع كبح جماحه، ثم وصل إلى الولايات المتحدة، مخلفا وراءه دربا طويلا من الجثث، لم يكن يجامل أو يهادن؛ فهو يضرب الكل بلا استثناء، الرؤساء والشعوب، والأغنياء والفقراء، والبيض والسود.
قامت الدول بإغلاق حدودها وعزل الناس في المستشفيات والبيوت، وراحت أجهزة الإعلام تنقل لنا في بيوتنا صور المدن الخاوية كمدن الأشباح، وبدأت المعامل ومراكز البحوث في مسابقة الزمن من أجل تطوير لقاح>
Unknown page