Muhawarat Alfred North Whitehead
محاورات ألفرد نورث هوايتهد
Genres
وواصل حديثه قائلا: «ولكني أعتقد أن من واجب الفلاسفة أن يربطوا أفكارهم باحتياجات الحياة العامة، وهناك أمر آخر لا بد لهم منه؛ عندما تفكر في المشاق التي يلاقيها رجال العلم لكي يقيموا نظرياتهم على فروض تتعرض للنقد الدقيق - وكيف يضعون الاختبارات التي يسيطرون بها على التجارب - عندما تفكر في ذلك اذكر كيف كانت الأفكار الأساسية حتى لأكبر الفلاسفة في الماضي تخضع إلى حد كبير للعلاقات البيئية الوقتية بحكم الضرورة، تلك العلاقات التي كانوا يعيشون فيها. أما العيب فيقع على عاتق المفكرين المتأخرين الذين لم يترددوا في قبول أحكامهم دون التوقف لإعادة البحث فيها في حدود الظروف الاجتماعية المتغيرة.»
قلت: «إن «علوم السياسة» لأرسطو مثال قوي لما تقول. لا شك في أنها كانت تقوم على فرض أساسي، وهو أن المدينة الحكومية هي الشكل السياسي السائد، وذلك أيضا في عصر بدأ فيه هذا النظام في التخلف عن مسايرة الزمن وأوشك أن يتبدل لتحل محله ملكيات عسكرية على صورة مستمدة من فتوح الإسكندر الأكبر، تلميذ أرسطو.» - «هذا مثال طيب لما قصدت إليه. الفلسفات بحاجة شديدة إلى إعادة التفكير فيها في ضوء ظروف البشرية المتغيرة.» - «وإلى أي حد يستطيع العقل وحده أن يقوم بذلك؟» - «أشك في أنا نتقدم كثيرا بالعقل وحده. أشك في أن العقل يستطيع أن يسير بنا شوطا بعيدا. لقد تحدثت عن البداهة المباشرة، وكلما تقدمت بي السن زاد تقديري لعبقرية فذة لا تبارى تميز بها أحد الفلاسفة، وذلك هو أفلاطون (وعندما تفوه بكلمة فذة أكدها بطريقة نطقها وأغمض جفنيه قليلا). قلما تجد بداهة لم تكن لديه أو لم يقدرها، وحتى بعدما تضع في الحسبان التعديل الذي يترتب على الظروف الاجتماعية المتغيرة منذ ما فكر وكتب، كما ذكرت منذ برهة، والتغيرات التي لا بد من القيام بها بناء على ذلك، حتى بعد ذلك فإن الجانب الأكبر من فلسفته لا يزال قائما. لقد جابه الواقع، أو تلك الحقائق التي لا يفهمها الرجل العادي فهما مباشرا، وبقدرة عجيبة على الدقة والجدل وضعها في صيغة يمكن للأثيني المتعلم في عهده أن يدركها.»
وبلغت الساعة الآن العاشرة والنصف، وجيء بالشوكولاتة الساخنة، وانتقلنا إلى الحديث في موضوع «النظامية الإنجليزية»، وهل قامت على ضرورات اقتصادية.
فقال هوايتهد: «كلا، لم يحدث ذلك البتة فيما أظن، وإنك لتلمس في جون وزلي ذلك المزيج غير المألوف؛ فقد كان رجلا يجمع بين البداهة الروحية والقدرة التنظيمية العظمى، كان التنظيم عنده طبيعة كالتنفس، وإني لمدين لصديقي ألي هالفي بملاحظة من أشد الملاحظات التي سمعت في حياتي نفاذا عن التاريخ الإنجليزي، وهي أن الأفكار الثورية الفرنسية، وبخاصة مذهب اليعقوبيين، قد حالت دون عبورها القناة الإنجليزية فكرة اتباع وزلي الدينية، الذين كانوا ينظرون إلى اليعقوبيين كأنهم بغير إله، وقد كان الثائرون - كما تذكر - يؤمنون بالله، أذكر منهم روبسبيير وسنت جست وغيرهما من زمرتهما، ولكن النظامي، كان لا يقيم لذلك البتة وزنا، ثم لما تطور العصر الصناعي، حينما بدأت الأسرات الغنية من الطبقة المتوسطة تتزاوج من الأرستقراطية، كان لذلك أثر فريد، وهو أن هذا التزاوج قد أعطى الأرستقراطية - لأول مرة في التاريخ تقريبا - مسحة دينية لونت الحياة السياسية الإنجليزية بأسرها في القرن التاسع عشر.» - «إن رومان رولان في «جين كرستوف»
1
يذكر على لسان إحدى الشخصيات أن ما جعل الإنجليز شعبا مفزعا أنهم أمة ظلت تقرأ الإنجيل عدة قرون.»
وفكر فيما قلت متشككا فيه، ثم قال: «إن هذا الرأي أقرب إلى الفكرة الأدبية منه إلى القوة التاريخية. إن الإنجيل يتميز بإشاراته إلى الأبدية.» ثم وقف بغتة وتحدث في حماسة شديدة قائلا: «ها نحن أولاء بشخوصنا المحدودة الأجل وحواسنا المادية أمام عالم إمكانياته لا تحد، وبالرغم من أنا قد لا نفهم هذه الإمكانيات اللانهائية، فإنها وقائع ثابتة.» ولبث واقفا لحظة مستغرقا في تفكير، ثم عاد إلى جلسته، وواصل حديثه قائلا: «إن عيب الإنجيل فيمن تصدوا لتفسيره، أولئك الذين سخطوا ذلك الإحساس باللانهاية وحولوه إلى آراء نهائية محدودة، وقد كان أول مفسر للعهد الجديد أسوأهم، وهو بولس.» - «هل قرأت «الكافر بالمسيح» لنيتشه؟» - «كلا.» - «إن عنوان الكتاب أعنف من محتواه، وإن كان المحتوى فيه شيء من العنف، ويدهشني أن نيتشه كان رفيقا بيسوع، وهو يقول بأنه لم يوجد غير مسيحي واحد، وقد مات مصلوبا، بيد أن القديس بولس قد أدرك ذلك من غير شك.»
قال: «إننا نتكلم عن نهاية المسيحية في حدود ألف عام، بيد أن المسيحية اتخذت أشكالا عدة في تاريخها حتى إني كثيرا ما أتصور أنها قد اتخذت شكلا جديدا - وربما كان نهائيا - هنا في أمريكا، بعدما تآلفت مع فكرتكم الديمقراطية عن الحياة. إن الحياة في أمريكا - برغم كل ما فيها من قيود - أفضل وأرق منها في أي مكان آخر على وجه الأرض سمعت عنه خلال العصور التاريخية كلها، غير أن رجال الدين قد فقدوا نفوذهم؛ فإن الرجل إذا اشتدت به الأزمة في أمريكا يتجه الآن إلى الطبيب، ولا يفكر في إخطار قسيسه، اللهم إلا هنا وهناك حيثما يكون القسيس فردا غير عادي. أما في إنجلترا فإن الرجل الذي يقصده الناس في أزماتهم هو محامي الأسرة ، وإنك لتلمس ذلك في القصص الإنجليزي، فهو فيها شخصية مألوفة. إن المشكلة في الدين هي أن تربط النهائي باللانهائي. ومما له دلالته أن الناس لم يعودوا يعتقدون في السماء.» - «وماذا أنت واجد في سماء المسيح مما تستطيع أن تؤديه؟» - «إني أوثر أن أذهب إلى حافة جهنم حيث أستطيع أن أقابل الفلاسفة اليونان ورجال السياسة من الرومان وأبادلهم الرأي.»
فسألت مسز هوايتهد: «وكيف يستطيع الفرد أن يتغلب على الملل المميت في الجنة؟ على الأقل كما يصورونها عادة؛ نغما رتيبا.»
قال: «لا بد من إيجاد ما يحل محلها.» - «ربما كان المطلوب صورة من صورة القدرة على الإبداع.»
Unknown page