Muhawarat Alfred North Whitehead

Mahmud Mahmud d. 1450 AH
85

Muhawarat Alfred North Whitehead

محاورات ألفرد نورث هوايتهد

Genres

بدأت الحرب العالمية الثانية منذ وقت قصير، وكان هذا أول مساء لي مع آل هوايتهد منذ اشتعال الحرب في سبتمبر، وكان كل امرئ في هذا الوقت لا يزال يمتنع عن مس موضوع الحرب مع غيره إلا بالحذر الشديد؛ لأن الشعور كان ملتهبا، ولم يستطع أحد أن يتنبأ بالمستقبل.

ولم يكن الأمر كذلك هنا على أية حال، فقد لمسنا الموضوع لمسا مباشرا.

قال: «إنني على يقين جازم بأن أمريكا يجب أن تبتعد. أنتم بحاجة إلى نحو خمسين عاما لكي تستقروا وتقروا بعض المشكلات المحلية التي يبدو أنكم الآن في طريقكم إلى حلها، فإذا أنتم دخلتم واشتبكتم اشتباكا شديدا فربما أدى ذلك إلى ضرر دائم لمستقبل العالم، ولو أنا فزنا بمعونتكم - كما حدث في المرة السابقة - فإن التسوية التي نصل إليها بحضوركم قد تفقد التوازن بعد انسحابكم. من الخير لأوروبا أن تحقق اتزانها بنفسها.»

وقالت: «أما إذا انهزمنا، فقد أصبح لزاما عليكم أن تتدخلوا، وإلا وجدتم النازيين في كندا وفي أمريكا الجنوبية.»

قال: «أشك في أن العالم قد مرت به من قبل محنة على نطاق واسع كهذه المحنة.» - «إنك تدهشني بهذا القول. ألم تكن محنة روما تحت حكم الأباطرة الفاسدين أوسع نطاقا؟» - «كانت الآلام وأسباب الجزع في روما محصورة في الطبقات العليا إلى حد كبير، ولا بد أيضا أن تكون آلام العدد الضخم من الرقيق، الذي كان يقوم عليه هذا المجتمع، شديدة كذلك.» - «يروي المؤرخ برسكس قصة زيارته لمعسكر الهون التابعين لأتلا، وكيف اخترق أراض انتحرت فيها عند اقترابهم جماعات بأسرها. فلما بلغ معسكرهم ألفى هؤلاء المحاربين أنفسهم ممتلئين بالحماسة وينشدون الأناشيد التي تتغنى بفضائلهم.» وقد رأيت أن أربط هذه الظاهرة بمقدار انتشار الآلام البشرية، ثم شرد ذهني وذكرت لهم ذلك، وقلت إنه كثيرا ما حدث لي مثل هذا الشرود في الأيام الأخيرة.

قال: «يسرني أن أسمع منك ذلك؛ لأن ذهني كذلك يشرد، وكنت أعزو ذلك إلى سني.» - «أعتقد أنه التعب. إن وعينا للحرب ماثل دائما في أذهاننا، ونحن مضطرون إلى معاودة التفكير في الأمور العادية بالإشارة إليها، وكثيرا ما نفعل ذلك على غير وعي منا، ولكن الجهد يرهقنا بعد حين وكأن شيئا في اللاشعور يجذبنا.»

قال: «لقد فقدت القدرة على أداء أي عمل لفترة ما بعد نشوب الحرب؛ فقد كانت دائما في خاطري. أما الآن فقد تشبعت بها عملياتي الفكرية أخيرا، وبدأت أعود إلى العمل.» - «يقول سكت نيرتج، الذي تناول معي طعام الإفطار هذا الصباح (وهو أحد زعماء التحرير الأمريكي) إن المشكلة في عصرنا الحاضر هي كيف يعيش المرء عيشة حسنة في مجتمع منحل. ولست على ثقة مما يقول، وليس من شك في أنا نعيش في ضائقة اقتصادية، ولكن أليس من الجائز أن يكون من أثر التكنولوجية العلمية، وما يترتب عليها من عنف واضطراب، إعادة تماسك المجتمع؟ من الخير لنا ألا نتعجل اليأس، ولست أقصد أنه من المحتمل لأي منا أن ييئس، ولكن كل عصر عظيم - أثينا في القرن الخامس، وروما لعهد أغسطس، والنهضة، والإصلاح الديني، والثورة الفرنسية - سبقه أو صاحبه عنف واضطراب؛ الحرب الفارسية في اليونان والحروب الأهلية الرومانية قبل أغسطس، وغير ذلك. ألا ترى معي أن الوقت لم يحن بعد للحكم؟ وهل تدهش لما حدث إذا تذكرنا الانقلابات الآلية والعقلية التي وقعت منذ بداية هذا القرن؟»

وقال هوايتهد: «لقد عشت ثلاث حيوات متميزة مدى عمري؛ الأولى من الطفولة إلى الحرب العالمية الأولى، والثانية من عام 1914م حتى إقامتي في أمريكا في عام 1924م، والثالثة هنا منذ عام 1924م. ويبدو أن الحياة الأولى أكثرها غرابة. في تلك الأعوام من سنة 1880م وما بعدها حتى الحرب الأولى، من ذا الذي كان يحلم أن الآراء والنظم - التي كان يظهر عليها الثبات وقتئذ - لم تكن دائمة؟» - «بالرغم من حداثة سني حينما كنت أنت رجلا كامل النمو، فإن الدنيا في عام 1890م وما بعدها تبدو لي كأنها كانت تسبح في ضباب ذهبي من الأناشيد الأسطورية.»

قال: «كانت كذلك منذ سبعة وخمسين عاما حينما كنت شابا في جامعة كمبردج، وقد تعلمت الرياضة والعلوم على رجال أفذاذ، وبرزت فيها. ومنذ بداية هذا القرن قدر لي أن أرى كل فرض أساسي في هذه العلوم والرياضيات، وقد انقلب رأسا على عقب، ولا أقول إنه قد نبذ، ولكنه بات في المحل الثاني بعد ما كان في المكانة الأولى. حدث كل هذا في مدى حياة واحدة، انقلبت أهم الفروض الأساسية في العلوم التي كانت تنسب إليها الدقة البالغة، وبرغم هذا نجد أن مستكشفي الفروض الجديدة في العلوم يصرحون بقولهم: وأخيرا بلغنا اليقين. في حين أن بعض الفروض التي شهدنا انقلابها قد ثبتت لأكثر من عشرين قرنا.» - «وهل هذا من أسباب الصعوبات التي تلاقيها في استخدام مصطلحات جديدة لآرائك الخاصة؟» - «هل لاحظت ذلك؟» - «لاحظت أني أستطيع أن أفهم الثلث الأول والثلث الأخير من كتابك «مغامرات الأفكار»، ومن مقالك «الذكرى المئوية الثالثة لهارفارد». أما في الثلث الأوسط فأجدني أتعثر. فهل الثلث الأوسط فوق مستوى الرجل العادي الذي يود أن يقرأه ثم يعيد قراءته؟» - «كلا، لا أظن ذلك؛ فأنا أكتب للرجل العادي، وفي سبيل ذلك أتحاشى الألفاظ الفنية التي يألفها الفلاسفة.»

فقالت زوجته: «ومن أجل هذا لا يحبه الفلاسفة، وإن كانوا في منتهى العذوبة في نقدهم.»

Unknown page