Mughalatat Lughawiyya
مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة
Genres
وللدكتور عبد الملك عبد الرحمن أبو عوف تجربة تستحق التسجيل، فقد اضطر عندما انتدب إلى جامعة دمشق أن يدرس الكيمياء العضوية باللغة العربية، فاستطاع أن يفعل ذلك بعد أسابيع، ثم قارن بين عمله في القاهرة وفي دمشق في قوله: «وما أحب أن أركز عليه ... هو حسن النتائج التي أحرزها الطلاب مقارنة بنتائج كلية الصيدلة بالقاهرة، وضخامة التحصيل وحسن الاستيعاب الذي توصلوا إليه؛ لأن الطالب هناك كان يفهم دقائق الموضوع؛ مما كان يتيح له فرصة استيعاب قدر أكبر من معلومات المادة المعطاة، فتفهم الطالب للغة المحاضرة والشرح كان يعفيه من بذل مجهود مضاعف ينصرف نصفه لفهم اللغة والتعرف على المفردات الصعبة في اللغة الجنبية التي يدرس بها، وذلك مهما تحرز المحاضر وتبسط، وينصرف النصف الآخر من الجهد لاستيعاب المادة نفسها، فضلا عما يعتري ذهن الطالب أحيانا من غموض في المعنى أو نقص فيه، يختل معه بناء المعلومات أو تنقل إليه بغير الصورة المقصودة من المحاضر والمتفقة مع حقائق العلم الذي يدرسه الطالب. ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يتعداه إلى قطع الصلة بين الأستاذ والطالب، فإن كثيرا من الطلبة يخشون ألا يستطيعوا التعبير عما يريدون أمام أساتذتهم وزملائهم، فيمتنعون عن السؤال والمناقشة، ولو كانت العربية أداة التعليم ما وقع هذا، ويزيد هذا الأمر سوءا الأعداد الغفيرة التي تمتلئ بها الجامعات العربية، وتجعل التفاهم بلغة أجنبية قريبا من المحال.»
19 (2-1) اللغة الأجنبية تشجع الحفظ دون الفهم
تتساءل الأستاذة مديحة دوس أستاذة اللغة الفرنسية: «كيف يمكن لطفل في السادسة أو السابعة من عمره أن يحصل على معلومات علمية بلغة أجنبية لم يكن قد اكتسبها بعد؟ هل يمكن أن يصل إلى المعلومات فهمه وإدراكه من خلال لغة لا يملك منها إلا عناصرها الأولية؟ أظن أن الرد هو بالطبع لا، ونتيجة لذلك فلم يعد أمام التلميذ سوى حل واحد: هو الحفظ والاعتماد على الذاكرة في تعامله مع المواد العلمية، ومن هنا يلجأ التلميذ إلى وسيلة الحفظ كحل وحيد. وقد أشار كل من اهتم بأمور التعليم وكل من شارك في محاولات تقييمه إلى التعارض بين تنمية مهارات النقد والتحليل من ناحية وعادة الحفظ أو الاستظهار من جهة أخرى. ثمة خطورة أخرى لعادة الاستظهار، وهي خلق عقلية شفاهية عند التلميذ، وعند المجتمع بدرجة ما.»
20
وقد جاء في تقرير المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والإعلام 2004 أن «المناداة بأن تكون اللغة العربية لغة تلقي العلوم في المرحلة الجامعية الأولى ليس مبعثه نعرة قومية أو اعتزازا باللغة العربية وغيرة عليها - وهي جديرة بهما ولا ريب - وإنما هو استجابة لضرورات ملزمة يكابدها المعلمون والمتعلمون، وليست خيارا يجوز تركه، فالكثرة الغالبة من طلاب الجامعات المصرية قد أصبحت - منذ عقود - بعيدة كل البعد عن التمكن من اللغة الإنجليزية؛ ولذلك يضطر الأستاذ المحاضر إلى صرف جزء كبير من وقت المحاضرة في تفسير ألفاظ وتراكيب إنجليزية عادية، وإلى اللجوء إلى الشرح والتعليق باللغة العربية - أو بالأحرى العامية - مضمنا كلامه عددا من الألفاظ المفككة والجمل البتراء باللغة الإنجليزية، ومتجنبا على قدر الإمكان الألفاظ والعبارات الدقيقة، ويعلم الطالب أن المذكرة الرديئة الطباعة والإعداد، أو الكتاب المدرسي المقرر - إن وجدا - ستعصيان عليه، فيلهث وراء المحاضر محاولا تسجيل كل كلمة يتسقطها منه، في بنيان غير محكم، ولأنه يدرك أيضا عجزه الكامل عن طلاقة التعبير باللغة الإنجليزية، يلجأ إلى استظهار ما دونه أو قرأه - على علاته - استظهارا دون فهم حقيقي أو استيعاب عميق، وهكذا حين ينبغي للطالب الجامعي أن يحلق ببصره إلى آفاق واسعة، ويتعمق في أغوار بعيدة، نجد اللغة الإنجليزية قيدا محددا لأبعاد دراسته كما وكيفا، ومهددا التعليم الجامعي بالضحالة وعدم الدقة. هذا عن أثر اللغة الإنجليزية على التحصيل والاستيعاب، أما عن وظيفة اللغة الإنجليزية من حيث اكتساب الطالب مقدرة التعبير البين الصحيح والمحاجة وتقليب الآراء، وإعمال الفكر، فيتجلى كونها قيدا على الطالب - في هذا كله - حين نجد الطالب ملجم اللسان يعجز عن النقاش ويحجم عن الاستفسار أو الإجابة.»
21 «واللغة ليست أمرا ثانويا في حياة الإنسان، أو مجرد أداة تواصل في مجتمعه، بل هي قوام فكره وخياله ووجدانه، وصيغة قيمه وعقائده، ودراسة العلوم بلغة أجنبية تضفي هذا الوصف (الأجنبي) على العلوم نفسها، فما يحس الطالب إحساسا عميقا بأنها شيء ينتمي إليه أو إلى بني قومه، بل إنها أقحمت على ذاكرته وفكره إقحاما، فآثارها سرعان ما تزول، وحتى إذا احتاج الخريج إلى استعمال ما تعلم استعمله فنيا ومهنيا، ولا يكون العلم والأسلوب العلمي جزءا عضويا من كيانه الفكري والسلوكي.»
22 «ومما يساق من الاعتراضات أن الإنجليزية تتخذ لغة لتدريس العلوم لأنها توفر لقارئها مددا غنيا من المراجع، فضلا عن مصادر المعلومات الأخرى. ولكننا إذا تأملنا واقع الحال وجدنا أن اللغة الإنجليزية تصبح - لقدرة الطالب المحدودة فيها - أغلالا يرسف فيها الطالب مقيدا في متن واحد ضيق، حاول أستاذه جاهدا أن يذلله له، ولا تمكنه قدراته اللغوية من ارتياد سواه، وعلى نقيض ذلك تماما لن تكون اللغة عائقا أمامه للاستزادة من مراجع متعددة باللغة العربية لو أنه تعلم بها.»
23 (2-2) شهادة التاريخ للعربية
لقد سجل التاريخ للعربية كفاءتها التامة للوفاء بمتطلبات العلم والحضارة، ولدينا شاهدا عدل فوق مظنة التحيز، أولهما الدكتور
G. A. Russell (1981) الأستاذ بمعهد ولكوم لتاريخ الطب في لندن، في معجم حديث لتاريخ العلوم باللغة الإنجليزية. فبعد أن استعرض الأستاذ المعالم الجوهرية للعلم الإسلامي قال ما ترجمته: «... وكانت العربية هي أداة هذا النشاط العلمي كله، فلما كانت اللغة العربية لغة القرآن أصبح لها أهمية خاصة في الإسلام، بيد أن طبيعة اللغة العربية نفسها هي التي قامت بالدور الحاسم، فمرونتها الرائعة قد مكنت المترجمين من دمغ مفردات محكمة دقيقة للمصطلحات العلمية والتكنولوجية أو ابتكارها، وهكذا اتخذت لغة الشعر اللغة العالمية للعلم والحضارة» (
Unknown page