Madina Fadila Cabr Tarikh
المدينة الفاضلة عبر التاريخ
Genres
قلت لها: «يبدو لي يا آنسة أننا لو كنا استطعنا توفير الموسيقى لكل إنسان في بيته، وراعينا أن تكون كاملة من حيث الكيف، وغير محدودة من حيث الكم، وملائمة لكل الأمزجة، وقابلة لتشغيلها وإيقافها حسب الرغبة، لاعتبرنا أننا قد بلغنا غاية السعادة البشرية، وتوقفنا عن السعي لأي إصلاحات أخرى ...»»
إذا كنا نشعر بالارتياب في السعادة التي يمكن أن تجلبها لنا الاختراعات التقنية، فمن الصعب أن نتحمس للحل الذي قدمه «بيلامي» لمشكلة العمل. وبصرف النظر عن الحقيقة التي أثبتت التجربة الحديثة صحتها، وهي أن التعبئة أو السخرة الصناعية لا تسير أمورها دائما بسلاسة كما كان يأمل، فإن تنظيمه الصارم لحياة الناس لم يحسب حساب الفروق الفردية في التكوين النفسي والمزاجي. ومن الصعب أن نفهم لماذا يلزم كل فرد بأن يدرس حتى سن الحادية والعشرين، بينما يفضل الكثيرون الارتباط بمهنة أو حرفة معينة، ولماذا يتحتم أن يتقاعد الناس في سن الخامسة والأربعين، في حين أن العديد منهم يبدءون في جني ثمار التجربة التي اكتسبوها في شبابهم؟ أضف إلى هذا أننا نشعر بأننا غير مستريحين للفكرة التي تقول إننا سنصبح قادرين - بعد ثلاث سنوات من «العمل القذر» - على اختيار الوظيفة الملائمة لأذواقنا، إذ أصبحت معظم الوظائف المتيسرة، بعد التطور الهائل في الإنتاج بالجملة، تتطلب في الغالب العمل في المصانع على «نظام السير».
والفرح الذي يستقبل به المواطنون في مجتمع بيلامي التقاعد دليل كاف على أن السخرة الصناعية شيء كريه وحمل ثقيل. يقول الدكتور ليت: إننا جميعا متفقون على التطلع لموعد الإعفاء من الخدمة باعتباره الوقت الذي نبدأ فيه الاستمتاع الكامل بالحق الذي اكتسبناه بالميلاد، والعهد الذي نصل فيه إلى النضج ونتحرر من التنظيم والتوجيه، حاملين رصيد حياتنا داخل نفوسنا. وقد اقتنع «بيلامي» بأن واحدا وعشرين عاما من التعليم الإلزامي، وخمسة وأربعين عاما من العمل الإجباري، مطلب معتدل من جانب الدولة، وأنه لا يمكن أن يعترض أحد عليه. ومع ذلك فإن الرأي القائل بأن الحياة تبدأ في الخامسة والأربعين هو رأي يسمح للإنسان بعدم الموافقة عليه.
ولا يشعر المرء بالتعاطف مع «بيلامي» في لجوئه بصفة مستمرة إلى الإلزام. ولو كان المواطنون في المجتمع الجديد راضين حقا عن أوضاعهم، فما الداعي لإجبارهم على العمل الخفيف، بل المبهج والسار كما يؤكد لنا باستمرار؟ ألا نواجه هنا أيضا خطر تحول العمل الذي يمكن أن يمتعنا لأننا اخترناه بحريتنا، إلى عمل باعث على الضجر والإرهاق عندما نقوم به بالإكراه والإجبار؟ لقد كان «بيلامي» مقتنعا بأنه قد اكتشف الحل النهائي لكل مشاكل العالم، إلى حد أنه كرس بقية حياته لإكمال نظامه، ونشر كتبا عديدة لشرحه بالتفصيل. ونحن لا ننكر أنه قد وجد حلا ما، ولكن اليوتوبيا القادمة ستبين لنا أن من الممكن أن يكون هناك حل آخر أكثر تشويقا وجاذبية. (4) وليم موريس (1834-1896م): «أخبار من لا مكان»
بعد الأجواء الخانقة التي سادت يوتوبيا كل من كابيه وبيلامي، بأجهزتها البيروقراطية المعقدة التي تديرها دولة كاملة الحكمة شاملة السيطرة، تبدو إنجلترا اليوتوبية في رواية وليم موريس أشبه بواحة نتمنى الإقامة فيها، إن لم يكن للأبد، فعلى الأقل لفترة طويلة من الزمن. هنا يمكن أن نعمل دون رقابة ثقيلة الوطأة من رئيس العمال، وأن ننام دون أن يوقظنا جرس المنبه، وأن نأكل ما نشتهي وليس ما قرر الخبراء أنه أفضل الأطعمة المناسبة لصحتنا، ويمكننا أيضا أن نحب دون أي اعتبار لقوانين استبدادية أو رأي عام لا يقل عنها استبدادا، كما يمكننا أن نرتدي الملابس التي نحبها، ونقرأ ما يعجبنا، وقبل كل شيء أن نفكر كما نشاء. هنا نستطيع أن نعيش حياتنا، لأننا لم نصنف ولم نوجه، بل ترك لنا تدبير حياتنا بالطريقة التي نعتقد أنها ملائمة لنا.
نشرت «أخبار من لا مكان»
13
بشكل مسلسل في جريدة «المصلحة العامة» (وهي جريدة الجماعة الاشتراكية التي أسسها وحررها وليم موريس) في غضون عام 1890م. ويحتمل أن يكون موريس قد كتب يوتوبياه بعد قراءة رواية بيلامي «التطلع للوراء»، التي كانت قد صدرت في إنجلترا قبل ذلك بسنوات قليلة، ويرجح أنه لم يشعر بتعاطف شديد معها. وقد وضع موريس كتابه أيضا في شكل رواية عن المستقبل، ولكنه عارض الحكومة المركزية التي تهيمن على مجتمع بيلامي المثالي بمجتمع أصبحت فيه الحكومة غير ضرورية، لأن الحكومة ليست سوى «آلة للطغيان»، وعندما ينتهي الطغيان لا تبقى هناك حاجة إلى مثل هذه الآلة. أما التنظيم الصناعي الرهيب لليوتوبيا الأمريكية فقد عارضه موريس باتحاد فيدرالي مؤلف من تجمعات صناعية وزراعية تعمل بشكل مستقل، كما عارض نظام العمل العسكري بحق الفرد في أن يعمل متى وكيف شاء، وأن يشارك في الإنتاج الآلية بالجملة، أو في الإنتاج اليدوي، لسلع محدودة، ولكن جميلة الصنع. والحقيقة أنه لا يكاد يوجد شيء واحد لا تناقض فيه «أخبار من لا مكان» رواية بيلامي «التطلع للوراء».
ويختلف وليم موريس أيضا عن معظم الكتاب اليوتوبيين في القرن التاسع عشر برغبته في الابتعاد الكامل، لا عن البؤس الذي تسببت فيه الثورة الصناعية فحسب، بل كذلك عن الإيمان بالتقدم الصناعي. لقد اعتقد بيلامي، مع أغلبية الكتاب اليوتوبيين، أن التقدم التقني سيجلب السعادة للبشر بمجرد القضاء على النظام الرأسمالي للملكية الخاصة، لأن ذلك التقدم سوف يلبي جميع حاجاتهم المتزايدة. أما موريس فقد اعتقد، على العكس من ذلك، بأن السعادة لا علاقة لها بزيادة الإنتاج، وأن الجانب الأكبر من التقدم الذي سيتم في هذا الميدان لن تكون له قيمة عندما يظهر المجتمع الجديد إلى الوجود: «لقد تصور القرن التاسع عشر نفسه كرجل أضاع ملابسه أثناء الاستحمام، فاضطر أن يمشي عاريا في شوارع المدينة ...»
لم يؤمن وليم موريس بأن المجتمع الجديد يمكن أن يكون من عمل «نابليون اشتراكي»، ولا بأنه يمكن أن يتولد عن المجتمع القديم بشكل آلي. ففي رأيه أنه العالم الحر، العادل، والسعيد لا يمكن أن يظهر للوجود إلا عندما تقوى رغبة البشر في الحرية إلى الحد الذي يجعلهم يدركون مدى قوتهم ويطيحون بالنظام القديم. وها هو ذا يصف في «أخبار من لا مكان» القوة التي حققت الثورة: «لو نظرنا الآن إلى الوراء، لوجدنا أن القوة الكبرى الدافعة على التغيير كانت هي التوق إلى الحرية والمساواة، وهي إذا شئت قوة تشبه العاطفة العارمة التي تستحوذ على العاشق ... صحيح أن طبقة العبيد لم تستطع أن تدرك مدى السعادة الكامنة في الحياة الحرة. ولكنهم لم يلبثوا أن فهموا (وبصورة شديدة أيضا) أن سادتهم يقهرونهم، كما أيقنوا، وكانوا محقين في ذلك كما ترى، أنهم يستطيعون أن يستغنوا عنهم، وإن عجزوا عن معرفة الوسيلة التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك.» ولا يتردد وليم موريس، الذي طالما اتهم بأنه غير واقعي وشديد التفاؤل، عن إعلان رأيه في أن الثورة ضرورية لتحقيق المجتمع الجديد: «كان العالم يساق إلى ميلاده الثاني، فهل كان من الممكن أن يتم هذا دون مأساة.»
Unknown page