Madina Fadila Cabr Tarikh
المدينة الفاضلة عبر التاريخ
Genres
ويعلق الآنا
9
أهمية كبيرة على التقدم العلمي، ولديهم أيضا «بيت سليمان»،
10
ولكن ليتون يزود هذا البيت بهيئة تدريس كاملة من النساء، ربما لكي ينتقم من احتقار الفيكتوريين للقوى العقلية للنساء: «كانت المهمة الرئيسية للحاكم الأسمى هي الاتصال بعض الأقسام النشطة المنوطة بالإشراف الإداري على بعض الأمور التفصيلية الخاصة. وكانت أهم هذه الأمور تتعلق بتوفير الإضاءة. وكان هناك قسم آخر، يمكن أن يطلق عليه اسم القسم الخاص بالأجانب، ويتصل بالدول الشقيقة المجاورة لإبلاغها بكل الاختراعات الجديدة، وقسم ثالث تحال إليه كل الاختراعات والتحسينات الآلية لتجربتها. ويرتبط بهذا القسم معهد للحكماء، وهو معهد يفضل الالتحاق به الأرامل من سكان آنا والذين ليس لديهم أطفال، وكذلك الشابات غير المتزوجات ... ويقوم الأساتذة من النساء في هذا المعهد برعاية تلك الدراسات التي يندر استعمالها ندرة شديدة في الحياة العملية - مثل الفلسفة التأملية، وتاريخ العصور القديمة، وبعض العلوم مثل علم الحشرات، وعلم الرخويات ... إلخ - ولكن أبحاث الحكماء ليست مقصورة على مثل هذه الدراسات الدقيقة أو الأنيقة. فهي تشمل أبحاثا أخرى متنوعة وأكثر أهمية، لا سيما خصائص الفريل التي تهتم بها الأستاذات في المعهد المذكور غاية الاهتمام، يساعدهن على ذلك جهازهن العصبي الشديد الحساسية. ومن هذا المعهد يختار التور أو الحاكم الرئيسي ثلاثة من المستشارين، وذلك في الحالات النادرة التي تربكه فيها الأحداث المستجدة أو الظروف الطارئة.»
ويتم حل مشكلة العمل، التي طالما شغلت بال الكتاب اليوتوبيين، بسهولة شديدة عن طريق الاستخدام المكثف للآلات، وعن طريق الإنسان الآلي (الروبوت) الذي يظهر هنا لأول مرة كخادم للإنسان قبل أن يصبح شيئا مألوفا في اليوتوبيات المتأخرة. ومن الغريب أن يعهد إلى الأطفال بمهمة القيام بالأعمال المملة الشاقة أو الخطرة. ومن الواضح أن فكرة تكليف الأطفال ب «الأعمال القذرة» فكرة مستعارة من فورييه الذي اعتقد أن الغرائز المدمرة وحب القذارة اللذين نلمسهما لدى عدد كبير من الأطفال يجب أن يستغلا في شيء نافع، وذلك بتكليفهم بالعمل الذي هيأتهم له الطبيعة. وقد كان الأطفال في تعاونيات فورييه «يوزعون في حشود صغيرة، ويستيقظون في حوالي الثالثة صباحا، فينظفون حظائر الحيوانات، ويعملون في المذابح ... وتقوم هذه الحشود الصغيرة بالإصلاحات الطارئة للطرق السريعة، أي بالصيانة اليومية للطرق العلوية، وتتأكد من عدم وجود زواحف مؤذية أو ثعابين وأفاع سامة بالقرب من الطرق السريعة.»
أما مجموعات الأطفال في يوتوبيا ليتون فتقوم بكل هذه المهام بالإضافة إلى مهام أخرى عديدة، والواقع أنهم ينجزون معظم العمل على أساس أن الأطفال أكثر نشاطا من البالغين، ولكن عملهم من النوع الخفيف على الدوام، لأنهم يستطيعون استخدام الآلات والفريل: «وتستخدم الآلات على نطاق واسع لا يمكن تخيله في كل الأعمال داخل البيوت وخارجها، والشغل الشاغل للقسم المكلف بإدارتها هو تعميم استخدامها بكفاءة. ولا توجد طبقة من العمال أو الخدم، بل يقوم الأطفال بجميع الأعمال المطلوبة لتسيير الآلات أو التحكم فيها، وذلك بدءا من السن التي يستغنون فيها عن رعاية أمهاتهم وحتى سن الزواج، وهي التي يحددونها بالسادسة عشرة للجي آي
Gy Ei (الإناث) والعشرين للآنا
Ana (الذكور). ويوزع هؤلاء الأطفال في مجموعات وأقسام تحت إشراف رؤسائهم، بحيث يمارس كل منهم الحرفة التي يجد أنها محببة إلى نفسه، أو التي يشعر بأنها تناسبه أكثر من غيرها، وهكذا يتجه بعضهم للحرف اليدوية، والبعض للزراعة، والبعض للأعمال المنزلية، والبعض للخدمات الوحيدة الخطرة التي يتعرض لها السكان، لأن الأخطار الوحيدة التي تهدد هذه القبيلة هي قبل كل شيء تلك التقلصات الطارئة التي تحدث داخل الأرض، والتنبؤ بها والوقاية منها يحتاجان منها إلى الحد الأقصى من البراعة، وكذلك الانفجارات النارية والمائية، والأعاصير التي تهب تحت الأرض، والغازات المتسربة. وهناك مراقبون يقظون واقفون على الحدود، وفي كل الأماكن التي يمكن أن تصل إليها مثل هذه الأخطار، مزودين بوسائل الاتصال البرقي بالقاعة التي يعقد فيها الحكماء المختارون جلساتهم الدائمة بالتناوب. ويتم اختيار هؤلاء المراقبين من الصبية الذين اقتربوا من سن البلوغ، على أساس أن الملاحظة في هذه السن تكون شديدة الحدة، كما أن القوى الجسدية تكون أكثر نشاطا منها في أي سن أخرى. والخدمة الثانية التي تقل خطرا عما سبق هي القضاء على كل المخلوقات المعادية لحياة «الأنا» أو زراعتهم، أو المقلقة لراحتهم. وأفظ هذه المخلوقات هي الزواحف الضخمة، التي يحتفظ ببقايا عدد منها في متاحفنا، وبض المخلوقات العملاقة المجنحة، ونصفها على شكل طيور، ونصفها الآخر على هيئة زواحف، ويترك للصبية صيد هذه المخلوقات وتدميرها، بالإضافة إلى حيوانات أقل منها توحشا وتناظر عندنا النمور أو الأفاعي السامة، والسبب في هذا، في رأي «الأنا»، أن القسوة هنا مطلوبة، وأن الطفل كلما كان أصغر في السن كان أكثر قسوة في التدمير.»
قدم فورييه لحشوده الصغيرة مكافآت ضئيلة على أساس أن الأطفال يقومون بالأعمال البغيضة بسبب حماسهم الوطني وتفانيهم في سبيل المجتمع، واعتبرهم «كائنات محبة للبشر تزدري الثروة وتكرس نفسها للعمل الكريه الذي تؤديه باعتباره عملا مشرفا». أما ليتون فكان أكثر أريحية في تعامله مع الأطفال، فهم يتقاضون مرتبات عالية، وعندما يبلغون سن الرجولة يكونون قد جمعوا رأس مال يكفيهم لكي يقضوا بقية حياتهم متعطلين إذا رغبوا في ذلك: «قلت إن كل العمل البشري الذي تحتاج إليه الدولة يقوم به الأطفال حتى بلوغهم سن الزواج. وتدفع الدولة مقابل هذا العمل أجرا أعلى بكثير من الأجور التي يكافأ بها العمال حتى في الولايات المتحدة. ومن حق كل طفل، ذكرا كان أو أنثى، أن يتوافر لديه عند بلوغ سن الزواج وانتهاء فترة العمل قدر كاف من المال يساعده على أن يحيا حياة مستقلة. ولما كان جميع الأطفال ملزمين بالعمل بصرف النظر عن ثروة آبائهم، كذلك ينبغي أن تدفع أجورهم بشكل متساو حسب أعمارهم المختلفة أو طبيعة عملهم. وعندما يختار الآباء أو الأصدقاء الاحتفاظ بطفل لخدمتهم الخاصة، فعليهم أن يدفعوا للخزانة نفس الراتب الذي تدفعه الدولة للأطفال الذين تستخدمهم، ويسلم هذا المبلغ من المال للطفل عندما تنتهي مدة خدمته. ولا شك أن هذا الإجراء يجعل مفهوم المساواة الاجتماعية مفهوما مألوفا ومقبولا.»
Unknown page