Jughrafiya Siyasiyya
الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا: مع دراسة تطبيقية على الشرق الأوسط
Genres
ولا يقتصر الأمر على محاولة ضبط الأنهار الدائمة أو المسايل والأودية ذات الجريان الموسمي، بل يتعداه إلى تحويل جزء من مياه بعض الأنهار مسافات بعيدة في مجار صناعية، وهذه عملية مكلفة، ولكنها تشكل ضرورة لا بد منها، ومن الأمثلة على ذلك جر مياه النيل إلى غرب محافظة البحيرة - مديرية التحرير ومنطقة مشروع ري مريوط الكنتوري - وتحويل مساحات ذات قدر من الصحارى إلى أراض زراعية جيدة، ومن الأمثلة أيضا سحب مياه الأردن لري أجزاء من سهل فلسطين وشمال النقب، ومشروعات عربية أخرى على نهر الأردن لري مساحات كبيرة من أراضي الغور.
ولمزيد من تحسين أرصدة المياه في دول الشرق الأوسط الجافة نجد مساعي عديدة تستخدم الأساليب العلمية للحصول على المياه الجوفية، وقد كانت الدفعة الأولى في هذا الاتجاه ناجمة عن أعمال شركات التنقيب عن البترول في جوف الصحراء، فقد كان لزاما عليها أن تحاول اكتشاف مصادر مياه باطنية محلية تحتاجها في عمليات الضخ البترولي، ولأغراض المستعمرة البشرية التي تقوم جوار الحقل البترولي، وتنتشر عملية دق الآبار الحديثة في أجزاء مختلفة من السعودية ضمن خطة شاملة للدولة من أجل تدعيم اقتصادها الزراعي والتوسع الأفقي في مساحات الأرض الزراعية، ومما يؤخذ مؤشرا على ذلك أن الميزانية السعودية عام 1970 قد خصصت نحو مائة مليون دولار في صورة استثمارات حكومية لتعميق الآبار الموجودة، وإقامة مشروعات ري حديثة، ومشروعات لضبط الرمال المتحركة - الكثبان - حتى لا تزحف على الأراضي الزراعية، وتعد الحكومة السعودية دراسة شاملة لمصادر مياهها الجوفية، كما أقامت ثلاث منشآت لتحلية مياه البحر، وهناك أربع أخرى بسبيل التنفيذ.
ومثل ذلك تفعله إيران في سبيل تحسين الاستفادة من مواردها المائية وزيادة الأرض المزروعة، وذلك برصد استثمارات كبيرة في إطار خطة التنمية، وكان مشروع «الوادي الجديد» في الواحات الخارجة المصرية من بين مساعي دول الشرق الأوسط للحصول على مصادر مياه جديدة بضخ المياه الباطنية. وأيا كانت نتائج مشروع الوادي الجديد، فإن الخبرة والمهارة التي اكتسبها عدد من الباحثين المختصين بشئون المياه الباطنية هي في حد ذاتها مكسب كبير.
والمشكلة الأساسية التي تواجه التوسع في استخدام المياه الباطنية هي الحصول على إجابة صحيحة للسؤال الصعب: هل المياه الجوفية في أي من الجيوب الباطنية التي تختزن فيها المياه مياه متجددة أم حفرية (مياه قديمة وقعت في مصيدة جيولوجية مثل حقول البترول، وبالتالي فهي غير متجددة)؟ فإذا كانت المياه متجددة، فإن السؤال الثاني هو ماهية مصدر هذه المياه، وأين يقع، وسرعة جريان المياه الباطنية من المصدر إلى البئر؟ وبناء على ذلك كله فإن أي مشروع زراعي على أساس ضخ مياه باطنية يجب أن يبنى على أساس حسابات دقيقة تحدد كمية المياه التي يمكن أن تضخ سنويا، بحيث لا تؤثر على مستوى الماء الباطني بصورة يتوقف معها المشروع بعد عدة سنوات، وإذا كانت المياه التي عثر عليها حفرية - أو أن تجددها شديد البطء - فإن ذلك يعني إقامة مشروع محدود زمنيا، ينتهي بنضوب المياه، ولكن هذه الصورة المثالية من البحث والدراسة لا تتم على هذا النحو، ففي غالبية الحالات تدق الآبار عند العثور على الماء، وليكن عمر المخزون المائي ما يكون، وهذه وجهة نظر متبعة في أحيان كثيرة بالنسبة لتعدين المعادن، وفي كليهما استفادة بمصادر الثروة غير المتجددة.
في معظم بلاد الشرق الأوسط نجد أن الحجم السكاني متواز بصورة من الصور مع موارد المياه، وقد نجد دولا يقل فيها عدد السكان عن حجم الموارد المائية الموجودة، والمثال الرئيسي على ذلك هو السودان والعراق، ونجد دولا أخرى يزيد فيها ضغط السكان على الموارد المائية المتاحة، كما هو الحال في مصر ولبنان وفلسطين، وهذا النقص أو الزيادة في تناسب السكان والمياه يجيء نتيجة تفاعلات حضارية واقتصادية وصحية تعمل من داخل الدولة بالطرق الطبيعية التدريجية، ويمكن زيادة فاعلية العوامل المختلفة بوضع خطط ومشروعات للتنمية وتحسين الأحوال الصحية من أجل زيادة السكان في الدول قليلة السكان، أو من أجل مواجهة الضغط السكاني، وبعبارة أخرى يمكن علميا المحافظة على توازن القوى الداخلية بالحد من مسببات الضعف التركيبي للدولة سياسيا، سواء كانت دولة مفتقرة إلى الطاقة البشرية أو أخرى تعكس فيها القوى البشرية الضاغطة ميزان التوازن مع الموارد المتاحة.
وحيث إن مشكلات زيادة السكان في مصر، أو قلتهم في السودان أو العراق من المشكلات المعروفة، وإن لهذه أو تلك حلولا واضحة - تكثيف الإنتاج الزراعي والصناعي واستخدام أحسن لموارد النيل والدجلة والفرات - فإننا سنتناول بالدراسة موضوع التناسب بين السكان والمياه في لبنان وفلسطين، اللتين تؤدي فيهما عدة عوامل اقتصادية وخارجية إلى زيادة الضغط السكاني على الموارد المائية المحدودة، وهذا الدفع السكاني يقود إلى ما يشبه الطريق المسدود ويضخم مشكلة فقدان التوازن، وبالتالي يشكل نقاط ضعف من نوع خاص في كل من المنطقتين. (3-6) لبنان والمياه
في خلال النصف الأول من هذا القرن كان التوازن شبه متوافق بين السكان وموارد المياه والتربة الصالحة للزراعة وتكنولوجية الزراعة في لبنان، بل كان يميل قليلا نحو زيادة سكانية تجد لها مخرجا في هجرة دائمة أو شبه دائمة إلى مناطق الثروة والعمل في مصر وأفريقيا الغربية الفرنسية والأمريكتين، وبعد ظهور المشكلة الفلسطينية وتكوين إسرائيل والمقاطعة العربية السياسية والاقتصادية أصبح لبنان الوريث الوحيد لعلاقات الموقع وتجارة الترانزيت التي كانت تميز فلسطين منذ فترة طويلة.
وقد كانت خلفية موانئ فلسطين - عكا وحيفا ويافا - تمتد في سهولة ويسر عبر السهل الفلسطيني الواسع وعبر سهل مرج بن عامر العريض إلى الأردن، ومن ثم إلى سوريا والعراق، وبواسطة الخط الحديدي من مصر وقناة السويس ومن الموانئ الفلسطينية، كانت التجارة تنتقل بسهولة عبر السهل الفلسطيني إلى الأردن وسوريا ولبنان، وفي مقابل السهول التي تربط موانئ فلسطين بخلفياتها الداخلية في الشرق الأوسط نجد الجبل اللبناني يقف عائقا طبيعيا أمام خطوط الاتصال والحركة بين بيروت وخلفيتها الطبيعية في الشرق الأوسط، وقد حاول الفرنسيون خلال فترة الانتداب ربط بيروت ودمشق ومنافسة الروابط السهلة الأخرى بين دمشق والواجهة البحرية في شمال فلسطين، ومن ثم أنشئ الخط الحديدي بين بيروت ودمشق، ولكنه خط طويل يتعرج كثيرا من الانحدارات الجبلية، ويدور في البقاع حتى يستطيع أن يجد مخرجا سهلا فيما بين الرياق وسرغايا عبر سلسلة الجبال الشرقية، وأكبر دليل على ضعف هذا الخط أن الطريق البري بين بيروت ودمشق يستأثر بحمولة أعظم مرات ومرات من هذا الخط الحديدي.
وبرغم هذه العوائق فإن الأحداث السياسية في فلسطين (وهي عنصر بشري حاسم) دفعت تجارة الترانزيت إلى لبنان عامة (بما في ذلك نهايات خطوط أنابيب البترول العراقية التي توقفت في فلسطين المحتلة تماما، وخط التابلاين السعودي الذي ينتهي في الزهراني)، وترتب على ذلك ازدهار واضح في الحياة الاقتصادية اللبنانية، وقد تضاعف هذا الازدهار بعد 1956 و1959 و1963 و1967 مرات كثيرة بفعل عوامل بشرية أخرى نوجزها فيما يلي: (1)
إغلاق قناة السويس مرتين وتحول جزء من تجارة دول شبه الجزيرة العربية إلى الواجهة البحرية اللبنانية. (2)
Unknown page