Jughrafiya Siyasiyya
الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا: مع دراسة تطبيقية على الشرق الأوسط
Genres
وعلى هذا فإن الواجهة الشمالية الفرنسية أصبحت تقع على ممر الملاحة الأعظم أهمية بين أوروبا الغربية وأمريكا عبر الأطلنطي الشمالي، وخلفيتها الصناعية ابتداء من السين ونورماندي تجعلها امتدادا لأضخم امتداد صناعي أوروبي غربي - شمال فرنسا وبلجيكا وهولندا وغرب ألمانيا الاتحادية - أما الواجهة المتوسطية فقد أصبحت منفذا بحريا عظيم القيمة، ليس لفرنسا فحسب، وإنما للتكتل الاقتصادي الأوروبي القاري - فيما عدا إيطاليا - وذلك عبر وادي الرون إلى الراين، فمرسيليا بحكم موقعها الجنوبي هي ميناء هام لكثير من المنتجات المدارية الأفريقية التي يعاد تصديرها بحرا إلى أمريكا وبرا إلى بقية أوروبا، وهي في الوقت نفسه الميناء الهام الذي يستقبل بترول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والغاز الأرضي من شمال أفريقيا، أما الواجهة الغربية فإنها أقل أهمية بالقياس إلى سابقتيها، وإن كانت بدورها حيوية لبعض أشكال التجارة، خاصة وأن خلفيتها الزراعية تؤهلها لذلك.
وبالمثل نجد أن الأهمية النسبية لسواحل الولايات المتحدة الثلاثة كانت متغيرة زمانيا، فالساحل الشرقي كان وما زال أكثر هذه السواحل قيمة للدولة الأمريكية بحكم وقوعه على الأطلنطي الشمالي في مواجهة أوروبا، وبحكم خلفيته المتعددة الأنشطة الاقتصادية، وكان الساحل الجنوبي المطل على خليج المكسيك ذا أهمية خاصة بالنسبة لتجارة الأوليات الزراعية، ثم زادت قيمته بما ينتجه من بترول، وبالأهمية السياسية التي تعلقها الولايات المتحدة على علاقاتها السياسية بأمريكا الوسطى وقناة بنما، وكان الساحل الغربي أقل هذه السواحل أهمية إلى أن بدأت الولايات المتحدة عبور الباسيفيك إلى هاواي والفلبين وشرق آسيا، وزادت هذه الأهمية بصورة واضحة نتيجة العلاقات السياسية والجيوبوليتيكية الأمريكية مع اليابان وجنوب شرق آسيا وأستراليا، وكثافة التجارة الأمريكية اليابانية وبالعكس عبر مياه الباسيفيك الشاسعة.
وقد كان لواجهة السويد على البلطيق أهمية خاصة عندما توسعت مملكة السويد عبر البلطيق إلى فنلندا وسواحل البلطيق الشرقية والجنوبية الشرقية حتى القرن السابع عشر، وبعد تلك الفترة بدأ عهد التوجيه الغربي إلى بحر الشمال، وأنشئ ميناء جوتبورج الذي يحتل المكانة الأولى بين موانئ السويد تعبيرا عن أهمية الساحل الغربي بالنسبة لسواحل الدولة، وبالمثل انتقلت أهمية السواحل الألمانية من البلطيق إلى الامتداد الساحلي القصير على ركن بحر الشمال عند مصبات الألب والفيزر تبعا لاتساع رقعة الدولة من مجرد مملكة شرقية (بروسيا) إلى دولة اتحادية (ألمانيا قبل الحربين العالميتين)، والأمثلة بذلك كثيرة على تأثير التوجيه السياسي والتجاري للدول على أقدر جبهاتها الساحلية المختلفة.
وتؤثر الأشكال الطبيعية للشواطئ وخلفيتها بدورها تأثيرا شبه ثابت على الأهمية النسبية للواجهة أو الواجهات البحرية للدولة، وتتعدد هنا العوامل الطبيعية التي تتضافر على تقليل أهمية الواجهة البحرية للدولة، فالتضاريس العنيفة للشواطئ ومناطقها الخلفية وإن كانت حاجزا دفاعيا طيبا، إلا أنها تحدد أشكال النشاط الاقتصادي والعمران بصورة تجعل من المنطقة وإقليمها نطاق عزلة قليل الأهمية باستثناء جيوب صغيرة ينحت فيها الإنسان لنفسه موطئ عمران ونشاط محدود، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك غالبية شواطئ النرويج وأيسلندا وما شابههما من سواحل الفيوردات في ألاسكا وغرب كندا وجرينلاند وتيرا دلفويجو وشيلي الجنوبية (وساحل دلماشيا اليوجسلافي بصورة مخففة).
وحينما تشترك الظروف المناخية المعادية للسكن البشري - البرودة الشديدة وأقاليم الجفاف - مع أشكال التضاريس الوعرة، تصبح قيمة السواحل قليلة جدا، مثال ذلك سواحل خليج العقبة ومعظم سواحل البحر الأحمر، أو سواحل الجزيرة الجنوبية من نيوزيلندا، وعلى نحو آخر تقل أهمية السواحل في مناطق اللاجونات - المستنقعات الساحلية - والسواحل المتميزة بالشطوط الرملية، «السيرف» (الأمواج العالية المتكسرة على الشواطئ أبدا) مثل سواحل غرب أفريقيا.
وبرغم أن هذه الظروف الطبيعية قوية التأثير فإن ظهور الموارد الاقتصادية من أي نوع يؤدي بالإنسان إلى إقامة منشآت مكلفة لتصحيح المعالم الطبيعية موضعيا، وتشهد على ذلك سكة حديد كيرونا-نارفيك لتصدير خام الحديد السويدي عبر جبال وفيوردات النرويج ، وسكة حديد لبرادور (شيفرفيل-ست ايل، جانيون-بوركارتيه) والطرق البرية المصرية على طول ساحل البحر الأحمر وإلى وادي النيل (خامات معدنية وبترول)، والطريق بين إيلات وساحل البحر المتوسط في إسرائيل، ومجموعة الطرق الحديدية في موانئ غرب أفريقيا الصناعية إلى مناطق الإنتاج الأولية الزراعية والتعدينية.
وعلى هذا فإن اشتراك العوامل الطبيعية والبشرية يؤثر بطرق مختلفة على أقدار الشواطئ وقيمتها الفعلية، فالشاطئ الشرقي للولايات المتحدة يمكن أن يقسم إلى قسمين: الشمالي والجنوبي، والقسم الشمالي أصلح طبيعيا لقيام المرافئ وخلفيته واسعة تمتد إلى حوض سنت لورنس الكندي - شتاء - والأمريكي، بما في ذلك منطقة البحيرات العظمى الأمريكية ومنطقة بنسلفانيا الفحمية، وكلها خلفية متنوعة الموارد التعدينية والصناعية، كما أنها أقل صلاحية من الناحية الطبيعية لقيام الموانئ «لكثرة المستنقعات والرءوس الرملية»، وخلفيته - برغم امتدادها السهلي الواسع - أقل تنوعا في المواد الصناعية ومرتبطة بالموارد الأولية والزراعية بصفة عامة، ومن ثم تظهر في القسم الشمالي موانئ عديدة لامعة كثيفة الحركة عالية الأهمية - على رأسها نيويورك وبوسطن ونيوآرك - بينما لا تتردد أسماء الموانئ الجنوبية إلا في حالات خاصة «مثل نورفولك وتشارلزتون وسفانا».
والأهمية النسبية للسواحل المصرية الطويلة محدودة القيمة بسبب الوعورة والجفاف والمستنقعات إلا في مناطق محدودة بأكيومين ضيق - موارد تعدينية وبترولية - وتقتصر المناطق المهمة من السواحل المصرية على منطقتي خليج قناة السويس والإسكندرية اللتين تنفتحان طبيعيا على الأكيومين المصري الرئيسي في الدلتا، وحيث تتنوع الموارد الأولية والصناعية، وبالمثل فإن السواحل الكندية هائلة الطول قليلة الأهمية إلا في منطقتين محدودتين هما مصب سنت لورنس - خلال الصيف فقط - وفيوردات منطقة فانكوفر الغربية، والأمر نفسه ينطبق على السواحل السوفيتية الطويلة، والتي لا تظهر قيمتها إلا في نقاط محدودة بصفة دائمة (مورمانسك والبلطيق والأسود وبحر اليابان)، أو بصفة مؤقتة (شتاء على طول خط الملاحة الشمالي من مورمانسك إلى كمتشكا وفلاديفوستوك).
وسواء كانت السواحل ذات قيمة طبيعيا واقتصاديا، أو ليست بذات قيمة واضحة، فإن الدول تسعى سعيا حثيثا إلى امتلاك واجهات بحرية لما لذلك من أهمية فعلية في النقل البحري، وهو أرخص أنواع النقل وأكبرها حجما حتى الآن، لكن ذلك ليس كل ما في الأمر، فإن الدول تسعى أيضا للحصول على منافذ بحرية بحيث تتوقع أهمية مستقبلية لتلك الشواطئ، مهما كان حجم تلك المنافذ وأيا كانت صورتها الطبيعية، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك حصول إسرائيل على منفذ ضيق صحراوي على رأس خليج العقبة، وقد حققت بذلك ثلاثة مبادئ: (1)
المبدأ السياسي الاستراتيجي: فصل العالم العربي إلى أرضين واتخاذ اللسان البري الفاصل قاعدة انطلاق توسعية، أو على الأقل قاعدة انطلاق مؤثرة بشتى الوسائل على المناطق المحيطة. (2)
Unknown page