طعن الثور بقرنه يد البيكادور الأول التي كانت تمسك بمقبض السيف، وراح الحشد المتجمهر ينعق به ازدراء. زلت قدما البيكادور الثاني وخرق الثور بطنه بقرنه، فتمسك بالقرن بيد، وثبت يده الأخرى جيدا على مكان الجرح، فدفعه الثور بعنف إلى الجدار وتحرر القرن، ورقد هو في الرمال، ثم نهض كسكير مجنون، وحاول أن يلكم الرجال الذين كانوا يحملونه بعيدا، وصرخ طالبا سيفه، لكنه فقد الوعي. جاء الفتى وكان عليه أن يقتل الثيران الخمسة؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك أكثر من ثلاثة بيكادورات في مباراة مصارعة الثيران، وحين وصل إلى الثور الخامس كان متعبا للغاية حتى إنه لم يستطع أن يغمد السيف فيه. لم يكن يقدر على رفع ذراعه إلا بصعوبة كبيرة. حاول خمس مرات وكان الجمهور هادئا؛ إذ كان ثورا جيدا وبدا الأمر أنه إما هو وإما الثور، ثم نجح أخيرا. جلس في الرمال وراح يتقيأ، ووضعوا عليه رداء بينما راح الجمهور يصيح ويرمي بأشياء إلى حلقة المصارعة.
السيد إليوت وزوجته
حاول السيد إليوت وزوجته جاهدين أن ينجبا طفلا. لقد حاولا مرات عديدة بقدر ما كانت السيدة إليوت تطيق؛ حاولا في بوسطن بعد أن تزوجا وحاولا وهما مسافران بالسفينة. لم يحاولا كثيرا على متن السفينة؛ إذ كانت السيدة إليوت مريضة جدا. لقد مرضت، وعندما كان هذا يحدث، كانت تمرض مثلما تمرض النساء الجنوبيات؛ أي النساء اللائي ينتمين إلى الجزء الجنوبي من الولايات المتحدة. فكما هو الحال بالنسبة لجميع النساء الجنوبيات، تدهورت حالة السيدة إليوت بسرعة شديدة تحت وطأة دوار البحر، مع السفر ليلا والاستيقاظ في وقت مبكر للغاية في الصباح. ظن العديد من الأشخاص الموجودين على متن السفينة أنها والدة إليوت. وأما الآخرون الذين كانوا يعرفون أنها زوجته، فقد اعتقدوا أنها حامل. لقد كانت تبلغ من العمر أربعين عاما في حقيقة الأمر، وقد تسارعت سنوات عمرها فجأة حين بدأت في السفر.
لقد كانت تبدو أصغر سنا من ذلك بكثير، بل الحق أنها لم تكن تبدو في سنها الحقيقية على الإطلاق حين تزوجها إليوت بعد أسابيع عديدة من الوقوع في حبها، بعد أن عرفها لوقت طويل في متجر الشاي الذي تملكه قبل أن يقبلها ذات مساء.
كان هيوبرت إليوت يجري بعض الدراسات العليا في القانون بجامعة هارفارد حين تزوج. كان شاعرا يبلغ دخله عشرة آلاف دولار في العام تقريبا. كان يكتب قصائد طويلة للغاية بسرعة كبيرة جدا. كان يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما ولم يكن قد ضاجع امرأة قط إلى أن تزوج السيدة إليوت. أراد أن يحتفظ بنفسه نقيا كي يحفظ لزوجته ما كان يتوقعه منها من نقاء الذهن والجسد. كان يسمي ذلك بالاستقامة في العيش. لقد أحب العديد من الفتيات قبل أن يقبل السيدة إليوت، وكان يخبرهن في وقت ما، سواء تقدم أو تأخر، بأنه عاش حياة نقية. وهذا ما جعل كل الفتيات تقريبا يفقدن الاهتمام به. لقد كان مصدوما ومرتعبا من حقيقة أن الفتيات يخطبن إلى رجال ويتزوجن منهم، وهن يعرفن بأنهم قد جروا أنفسهم إلى الوحل. لقد حاول ذات مرة أن يحذر فتاة من رجل كان يعرف يقينا أنه كان خسيسا في الكلية، وقد نتج عن ذلك حادثة فظيعة للغاية.
كانت السيدة إليوت تدعى كورنيليا. علمته أن يدعوها باسم كالوتينا، الذي كان لقب عائلتها في الجنوب. بكت أمه حين أحضر كورنيليا إلى المنزل بعد زواجهما، لكنها ابتهجت كثيرا حين عرفت أنهما سيعيشان خارج البلاد.
حين أخبر كورنيليا كيف أنه قد حافظ على نقائه من أجلها، قالت: «فتاي العزيز الرقيق!» وقربته إليها أكثر من أي وقت سابق. كانت كورنيليا نقية هي أيضا. قالت: «قبلني هكذا ثانية.»
شرح لها هيوبرت أنه تعلم تلك الطريقة في التقبيل من قصة قد سمع رجلا يرويها. كان مسرورا بتجربته، وقد تماديا فيها إلى أبعد حد ممكن. أحيانا بعد أن يكونا قد قضيا وقتا طويلا في التقبيل، كانت كورنيليا تطلب منه أن يخبرها كيف أنه حافظ على نفسه نقيا من أجلها. ودائما ما كان هذا التصريح يثيرها ثانية.
في البداية، لم يكن هيوبرت ينتوي الزواج من كورنيليا على الإطلاق. لم يسبق له أن فكر فيها بتلك الطريقة. لقد كانت صديقة عزيزة له، وذات يوم في الغرفة الخلفية الصغيرة في متجرها، كانا يرقصان على موسيقى إحدى أسطوانات الجراموفون بينما كانت صديقتها في مقدمة المتجر، وقد نظرت في عينيه وقبلها. لم يستطع أن يتذكر قط متى كان قرار زواجهما، لكنهما تزوجا على أي حال.
قضيا ليلة يوم زواجهما في غرفة بأحد فنادق بوسطن. شعر كلاهما بخيبة الأمل، لكن كورنيليا قد تمكنت أخيرا من الخلود إلى النوم. لم يستطع هيوبرت النوم وخرج عدة مرات وراح يقطع ردهة الفندق ذهابا وإيابا مرتديا برنس الحمام الجديد الذي ابتاعه لرحلة زفافه من العلامة التجارية ياجر. بينما كان يسير في الردهة، رأى جميع أزواج الأحذية، سواء الصغيرة أو الكبيرة منها، موجودة خارج أبواب غرف الفندق. دفع ذلك قلبه إلى الخفقان بشدة، فأسرع عائدا إلى غرفته، لكن كورنيليا كانت نائمة. لم يحب أن يوقظها، وسرعان ما أصبح كل شيء على ما يرام، ونام بسلام.
Unknown page