وممن نكسوا في الخلق هؤلاء الذين وقفوا ينتظرون القدر؛ أولئك لم ينظروا للمستقبل، ولكن ينظرون إلى ما يفعل بهم المستقبل؛ أولئك أحجار ينفعلون ولا يفعلون، ويتأثرون ولا يؤثرون؛ وإنما مستقبلك في يدك ولك دخل كبير في صياغته، فإن شئت تكن فقيرا، وإن شئت تكن غنيا - إلى حد كبير - وإن شئت تكن سعيدا، وإن شئت تكن شقيا؛ وليس يستسلم للقدر إلا من فقد إرادته وأضاع إنسانيته.
لقد أتى على الناس زمان كان الاستسلام للقدر عنوان «الولاية» ورمز القداسة، وكلما أمعن الإنسان في التجرد عن الدنيا أمعن الناس في تعظيمه وتبركوا به ولثموا يده، ولكن هذا تقدير الماضي؛ أما تقدير اليوم والمستقبل فالولاية والقداسة في العمل. والولي أو القديس هو المصلح، وهو الذي يبني المجد بعمله لأمته وللإنسانية، وهو الذي يواجه العمل في شجاعة وإقدام، لا الذي يفر من الميدان، وهو الذي يرسم خطة العمل وينفذها، لا الذي يعزي عن الكوارث ويعود المرضي ويلطف وقع البؤس، وهو الذي يشق الطريق لمحو الفقر عن الفقراء والبؤس عن البؤساء، لا الذي يزرف الدمع ويوصي بالصبر على احتمال الفقر من غير حث على العمل، والتفكير في طرق الخلاص من البؤس؛ وليس الولي والقديس من يحلم بل من يعمل.
ومضى الزمن الذي كنا نرصد فيه النجوم لنطلب السعادة من سلطانها، ونجتنب الشقاء في أوقات نحسها؛ وأصبحنا نشعر بأن النحس نحس الخلق وموت الإرادة، والسعادة حياة النفس وتفتح الأمل، والمشي في مناكب الأرض، وإعمال اليد والعقل في جلب الرزق، وجلب الخير، ودفع الشر ودفع البؤس والفقر. •••
خير لك إن كنت في ظلمة أن تأمل طلوع الشمس غدا من أن نذكر طلوعها أمس، فلكل من الظاهرتين أثر نفسي معاكس للآخر، ففي ترقبك طلوع الشمس غدا الأمل والطموح إلى ما هو آت، وفي هذا معنى الحياة؛ وفي تذكرك طلوعها أمس حسرة على ما فات، وألم من خير كنت فيه إلى شر صرت فيه، وفي ذلك معنى الفناء.
وفرق كبير بين من يلطم اللطمة فلا يكون له وسيلة إلا البكاء، وتذكر اللطمة ثم البكاء، ثم تذكر اللطمة ثم البكاء، وبين من يلطم اللطمة فيستجمع قواه للمكافحة. والحياة كلها لطمات، وأعجز الناس من خارت قواه أمام أول لطمة فهرب. ولو أنصف الناس لقوموا الناس بمقدار كفاحهم لا بمقدار فشلهم ونجاحهم . •••
شر ما ألاحظ في الشرق حنينه الشديد إلى الماضي، لا أمله القوي في المستقبل، واعتقاده أن خير أيامه ما سلفت لا ما أقبلت، وإعجابه الشديد بأعمال الماضين وإهمال المعاصرين. له منظاران: منظار مكبر يلبسه إذا نظر إلى الماضي، ومنظار مصغر أسود يضعه إذا نظر إلى الحاضر والمستقبل. يلذه أن يطيل البكاء على الميت، ولا يلذه أن يتدبر فيما يجب أن يفعله الأحياء. يستسهل النفقات مهما عظمت على الميت، ويستكثر نفقات الطبيب وأثمان الدواء للمريض. يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تدل على عظم الماضي، ولا يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تبعث الأمل في المستقبل؛ ففي أعماق نفوسهم أن قول القائل: «ما ترك الأول للآخر» خير من القول: «كم ترك الأول للآخر»، ويلوكون دائما «لا جديد تحت الشمس»، ولا يعجبهم أن تقول: إن كل ما تحت الشمس في جدة مستمرة، والمستقبل مملوء بالجديد. وإذا رأوا كلمة في كتاب قديم تدل - ولو دلالة كاذبة - على نظرية جديدة طاروا بها فرحا؛ لأن ذلك يلائم ما في نفوسهم من تعظيم الماضي وتحقير الحاضر والمستقبل. هم يعيشون في أحلام، ولا يريدون أن يعيشوا في حياة واقعة، وحول هذه المعيشة الحالمة ينسجون دائما ما يوافقها ويمازجها ويسايرها، ويكتفون بالأمل أن ينعموا بالآخرة؛ وماذا عليهم لو عملوا لينعموا بالدنيا والآخرة؟
ما نعلم وما لا نعلم
ظاهرة واضحة، وهي أن أجهل الناس أكثرهم ادعاء للعلم وأعلمهم أكثرهم اعترافا بالجهل.
كل شيء سهل واضح قابل للفهم، قابل للتفسير عند الجهلاء وأنصاف العلماء.
ما الذي نعلمه عن هذا الكون؟ لا نعلم إلا ظاهرة، ولا نعلم إلا سطحه؛ أما حقيقته، وأما أعماقه فلا نعلم منها إلا قليلا، ونحن حائرون في أمرها، ولا يدري إلا الله متى تنتهي هذه الحيرة.
Unknown page