فلما أصبحوا نزل تراجان على جواده بعدته وسلاحه وطلب المبارزة فخرج إليه فارس علما من لباسه وكبير جثته أنه خالد بن الوليد فطال النزال بينهما والجيشان ينظران وكأن على رؤوسهم الطير فمضى معظم النهار ولم ينل أحدهما الآخر بشر فرجع كل منهما إلى معسكره.
فلما رجع تراجان إلى المدينة أسرع الناس للقائه وسؤاله عما لقي من عدوه وكان أول من لاقاه رومانوس وقد نظر إليه مستهزئا ضاحكا كأنه ينتقم منه لشماتته به قبلا فانتهره وعيره بأنه مخلوع فقال رومانوس: «سترى من هو المخلوع منا وتركه ومضى».
وكان عبد الله وحماد ينظران إلى ما دار بينهما فلما رأيا من رومانوس ما رأياه وسمعا تهديده خافا فقال عبد الله: «لقد زاد خوفي الآن من مقاصد هذا الرومي فلا أظنه إلا فاعلا شرا».
فقال حماد: «وما شأننا في ذلك».
قال عبد الله: «إنما يعنينا من الأمر المحافظة على حياتنا مخافة أن يدخل العرب المدينة فيصيبنا منهم سوء ولا ناقة لنا في الدفاع ولا جمل إلا تظننا كنا آمن على حياتنا لو أقمنا في دير بحيرا».
قال حماد: «وكيف نكون آمن هناك والدير لا حصن فيه ولا جند ونحن الآن في أمنع مدن الشام».
قال: «لم أقل أن الدير أحصن من بصرى ولكنني علمت أن خليفة هؤلاء المسلمين لما خرج لوداعهم يوم تسييرهم إلى الشام أوصاهم بالرهبان والديور خيرا فهم لا يسيئون راهبا ولا يخربون ديرا».
فقال حماد: «لو ذكرت ذلك لفضلت البقاء في الدير ولكن السهم قد نفد ونحن الآن في بصرى وهي في ما تراه من الحصار فما الرأي».
ففكر عبد الله قليلا ثم قال: «إن سر المسألة يا سيدي عند رومانوس هذا فلو استطعنا استطلاع شيء منه لعلمنا طريق النجاة فأرى أن أسير إليه الليلة لعلي أتنسم خبرا».
قال: «حسنا تفعل».
Unknown page