استبقى عمر بالمدينة بني هاشم وكبار الصحابة ورءوس قريش ليشيروا عليه بما أوتوا من عقل راجح وحكمة وحنكة؛ لأن الشورى كانت أساس الحكم، وإذ كان أمير المؤمنين صاحب الرأي الأخير والقول الفصل في كل أمر، فقد كان عليه لقاء ذلك كل التبعة عن سياسة الدولة، بذلك اجتمعت في يده السلطات كلها، فكان المشرع في حدود كتاب الله وسنة رسوله، وكان المنفذ، والقاضي، والقائد الأعلى للجيش، وقد نهض عمر بتبعات ذلك كله، فخلد التاريخ اسمه وأضفى عليه هالة مضيئة بنور العظمة والجلال.
ونهوضه بهذه التبعات الجسام يثير في النفس غاية الإعجاب، ويدعو كثيرين للتساؤل عن السر في قدرته هذه القدرة العجيبة، وهذا السر مع ذلك لا يخفى على من صدق القصد لمعرفته؛ فهو يرجع إلى إنكار عمر نفسه، وإلى تجرده للقيام بواجبه شعورا منه بجسامة هذا الواجب، فهو لم ينظر من الخلافة إلى سلطانها وظاهرها، وإنما كان كل نظره إلى القيام بأعبائها وتبعاتها؛ لذلك لم يبطره سلطانها المطلق، ولم يزدهه مظهرها البراق، وقد بلغ شعوره بهذا الواجب مبلغا لا يقص التاريخ في عصر من العصور نظيره، ولا أحسب تعبيرا يصور هذا الشعور خيرا من قوله هو: «كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما يمسهم؟!» وقد جعله هذا الشعور يضع نفسه موضع الضعيف والفقير ليشعر شعورهما، فيأخذ للضعيف حقه من القوي، ويدفع عن الفقير غائلة الفقر، وأنت تذكر من أمثلة ذلك ما كان منه عام الرمادة حين قسا على نفسه، فلم يطعم طوال ذلك العام سمنا ولا لحما، حتى شحب واسود لونه وخاف الناس على حياته، وقد بلغت منه خشية الزهو مبلغا يكفي بعض ما ورد من الروايات عنه ليكون عجبا. روي عن أنس أنه قال: كنت مع عمر، فدخل حائطا، فسمعته يقول، وبيني وبينه جدار الحائط: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين؟ بخ بخ! والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك!» وقيل: إنه حمل يوما قربة على عاتقه فقيل له في ذلك، فقال: «إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها.»
ولم يغره اتساع رقعة المملكة في عهده بأن يجلس في إيوان غير المسجد لينظر في شئون الدولة، شأنه في ذلك شأن رسول الله وأبي بكر، وكان المسجد في السنوات الأولى من عهده باقيا كما كان يوم أقامه رسول الله، جدرانه اللبن وسقفه من سعف النخل، وكان في مقدور عمر أن يهدمه وأن يعيد بناءه فخما كفخامته في العصور التي تلت عهده، حتى يتفق مظهر مجلسه مع عظمة سلطانه، وما كان أحد ليؤاخذه لو أنه فعل؛ فقد نزل سعد بن أبي وقاص إيوان كسرى بالمدائن واتخذه مقر سلطانه، فلما تحول إلى الكوفة بنى لنفسه دارا سماها الناس: «قصر سعد» ولكن عمر لم يمس المسجد بتغيير في السنوات الأربع الأولى من خلافته، فلما ازداد أهل المدينة وضاق المسجد بهم، أمر بالزيادة فيه مستندا إلى ما كان رسول الله يقوله: «ينبغي أن نزيد في المسجد.» وكان عمر يقول: «لولا أنني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: ينبغي أن نزيد في مسجدنا، ما زدت.»
وحرص عمر حين أمر بالزيادة في المسجد على أن يجعله خالصا للصلاة ولشئون الحكم، فقد كان أهل المدينة يتخذون منه دار ندوتهم، ويتحدثون به في شئون تجارتهم، ويجعلون منه مكان سمرهم وتفاخرهم، حتى كان يعلو فيه اللغط أحيانا وأمير المؤمنين جالس ينظر في الجسيم من مهام الدولة؛ لذلك اتخذ إلى جانب المسجد بعد توسيعه مكانا سمي البطيحاء، وقال: «من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا فليخرج إليه.» على أن ما أحدثه عمر من الزيادة في عمارة المسجد لم يتجاوز توسعة رقعته وزيادة عدد أبوابه، أما سائره فبقي كما بناه رسول الله؛ إذ جعل أساس الجدر من الحجارة وما فوقه من اللبن، والعمد من الخشب، والسقف من الجريد، ومن هذا المسجد البسيط بناؤه كانت تصدر أوامر عمر إلى إمارات الجند؛ فإذا كسرى يفتض عليه إيوانه، وإذا قيصر يفر هاربا من الشام إلى القسطنطينية، وإذا الإسكندرية العظيمة عاصمة الحضارة العالية لذلك العهد تسلم مفاتحها للمسلمين!
لم تغير سعة الفتح شيئا كذلك مما أخذ عمر به نفسه من بساطة العيش، وما دعاه إليه إيمانه من ازدراء الدنيا، فقد جعل المسلمون له في أول خلافته مثلما جعلوا لأبي بكر من حق في بيت المال يقيمه ويقيم عياله، فلما تدفق الفيء على المدينة لم ينل عمر منه أكثر مما كان يناله رجل من المسلمين؛ ذلك أنه لم يكن يرى أن له بسبب الخلافة حقا يزيد عن حق غيره، وقد سئل يوما عما يحل له من مال الله، فقال: «أنا أخبركم بما أستحل منه؛ يحل لي حلتان: حلة في الشتاء وحلة في القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم.» وكان يقول: «إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف.» وكان تعففه عما في بيت المال يبلغ به في بعض الأحيان حد الحرج، اشتكى يوما، فوصف له العسل، وفي بيت المال عكة منه، فلما كان على المنبر قال: «إن أذنتم لي فيها وإلا فإنها علي حرام.» فأذنوا له ورأى المسلمون ما رأوا من شدته على نفسه، فذهبوا إلى ابنته حفصة أم المؤمنين، فقالوا لها: «أبى عمر إلا شدة على نفسه وحصرا، وقد بسط الله في الرزق فليبسط في هذا الفيء فيما شاء منه، وهو في حل من جماعة المسلمين.» وكأنما قاربتهم حفصة في هواهم، فلما دخل عليها عمر أخبرته بالذي قالوا، فكان جوابه: «يا حفصة بنت عمر، نصحت قومك وغششت أباك، إنما حق أهلي في نفسي ومالي، فأما في ديني وأمانتي فلا.»
وقد روى الفخري عن عمر قصة تشهد بشدة حرصه على مساواة نفسه بسائر المسلمين أصدق الشهادة، قال: «جاءت عمر بن الخطاب برود من اليمن ففرقها بين المسلمين فخرج في نصيب كل رجل برد واحد ونصيب عمر كنصيب واحد منهم، قيل: واعتلى عمر المنبر وعليه البرد وقد فصله قميصا، فندب الناس للجهاد، فقال له رجل: لا سمعا ولا طاعة، فقال عمر: ولم ذلك؟ قال الرجل: لأنك استأثرت علينا؛ لقد خرج في نصيبك من الأبراد اليمنية برد واحد، وهو لا يكفيك ثوبا، فكيف فصلته قميصا وأنت رجل طويل؟ فالتفت عمر إلى ابنه قائلا: أجبه يا عبد الله، فقال عبد الله: لقد ناولته من بردي فأتم قميصه منه، قال الرجل: أما الآن فالسمع والطاعة.»
لم يبتغ عمر من الخلافة شيئا إذن لنفسه، بل كان يعد نفسه الحارس الأمين على مال المسلمين، كما كان الحارس الأمين على وحدتهم وحريتهم، وقد قربه ذلك إلى الناس وحببه إليهم، وزادهم محبة له أنه كان يرى الخلافة أبوة تلقي على الخليفة واجبات للمسلمين هي واجبات الأب نحو أبنائه، والحنان والبر أقدس عواطف الأبوة وأسماها، وكان عمر أشد الناس حنانا على المحتاجين إلى الحنان وأشدهم برا بهم؛ فقد كان يرى الحنان والبر بعض واجبات الحكم كإقامة العدل والمحافظة على الأمن سواء.
خرج ليلة إلى ظاهر المدينة ومعه مولاه أسلم، فلاح لهما بيت شعر فقصداه، فإذا فيه امرأة تبكي وقد جاءها المخاض، فسألها عمر عن حالها فقالت: أنا امرأة غريبة وليس عندي شيء، فعاد عمر يهرول إلى بيته وقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب: هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ وأخبرها الخبر، قالت: نعم! وحمل عمر على ظهره دقيقا وشحما، وحملت أم كلثوم ما يصلح للولادة، ودخلت أم كلثوم على المرأة وجلس عمر يتحدث إلى زوجها وهو لا يعرفه، ووضعت المرأة غلاما، فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام، فلما سمع الرجل قولها استعظم صنيع عمر وأخذ يعتذر إليه، فقال له عمر: لا بأس عليك! ثم أعطاهم ما يصلحهم وانصرف.
Unknown page