وكان طبيعيا أن يعتمد عمر في سياسته على قوة شخصيته وتوثب إلهامه؛ إذ كانت الدولة في أول نشأتها، وكانت الحروب في العراق والشام تقتضي أشد الحذر واليقظة، ولو أن ما واجه عمر يومئذ حدث في زماننا أو في أي زمان آخر، لقضت أحوال الحروب بإسناد الأمر إلى رجل موثوق به؛ تجتمع السلطة في يده لتنظيم جهود الحرب، والاضطلاع بتبعتها، وقد رأينا عمر وكيف استطاع أن يتم للعرب وحدتهم، ويكفل لهم حريتهم، وأن يضطلع في الوقت نفسه بتبعة الحرب، وأن ينظم ما اقتضته من جهد في يقظة ودقة امتدت إلى الدقيق والجليل من أحوال الجند وسيرهم، ومن كرهم وفرهم، حتى لقد كان يشارك أمراء الجند في وضع خطط القتال، بل كان هو الذي يضعها في كثير من الأحيان، فإذا تم الفتح رسم السياسة التي تجري في البلاد المفتوحة، وصور ما يجب القيام به من شئون الإصلاح فيها.
أفكان في مقدور عمر وهذه الأحداث تواجهه أن يبدأ عهده بأن يضع للحكم نظاما مفصلا يجري في بلاد العرب كلها، أو أن يتخذ من النظام الفارسي السائد في العراق، أو النظام البيزنطي السائد في الشام نظاما لشبه الجزيرة؟ ما أحسب شيئا من هذا دار بخلده، فشبه الجزيرة تختلف بتكوينها عن العراق والشام اختلافا جوهريا، وقد ألف العرب حياة لا تلائمها مركزية الفرس ولا نظم الروم، هذا لو أن الحرب لم تكن تشغله وتستنفد كل جهده، فكيف به وقد كان جنده في أول عهده يواجه في العراق أدق موقف، وكانت قواته في الشام تواجه من جيوش الروم ما يزيد عليها في العدد والعدة أضعافا مضاعفة! حسبه أنه جمع شبه الجزيرة في وحدة عربية إسلامية حرة تزيد أهلها اعتدادا بأنفسهم، وتزيدهم بذلك على الفتح قوة، وليدع التنظيم للزمن ينضجه في يسر في حدود كتاب الله وسنة رسوله.
ولو أنه حاول أن يفرض على البلاد المختلفة في شبه الجزيرة نظاما موحدا لأدى ذلك إلى نتائج لا يحمدها عمر ولا يحمدها المسلمون، فما كان أهل الحضر ليرضوا نظام البدو، ولا أهل البدو ليرضوا نظام الحضر، لقد اغتبط الناس بما أمر به عمر من رد السبي إلى عشائرهم، ومن رفع الحظر عن أهل الردة؛ فليدعهم في اغتباطهم ليزدادوا تضامنا، وليدفعهم تضامنهم إلى تلبية ندائه لمواجهة الموقف الحربي والتغلب على دقته، ولا ضير في أثناء ذلك أن تبقى الأمور جارية مجراها في اليمن وفي غير اليمن من أرجاء شبه الجزيرة، وأن يكتفي عمر بأن يبعث إلى كل إمارة منها واليا من قبله يمكن سلطان المدينة فيجبي من الناس الصدقات، ويقيم بينهم حدود الله، ويفقههم في دينهم لينظموا حياتهم بموجب أحكامه، وأن يبقى لكل أمة وكل قبيلة فيما وراء ذلك من الاستقلال الذاتي ما ألفته منذ أجيال، وألا تتعدى الروابط المشتركة بين هذه الإمارات شئون الدولة العامة، أما وقد كان هذا شأنها فمن حقنا أن نستعير تعبير القانون الدولي في عهدنا الحاضر، وأن نسمي هذه الروابط اتحادا كاتحاد الولايات الأمريكية المتحدة أو الولايات السويسرية.
كانت المدينة عاصمة هذا الاتحاد، ولم يكن ظفرها بالمرتدين هو وحده الذي جعل لها هذا التقدم، فلو أن الردة لم تحدث لكان طبيعيا أن تكون المدينة هي العاصمة الإسلامية الأولى، وأن يكون لها التقدم على جميع الحواضر والبوادي؛ فهي التي آوت رسول الله وعززته ونصرته، وقد نزل بها من القرآن أكثر مما نزل بمكة، وفيها اجتمع المهاجرون والأنصار الذين استمعوا إلى رسول الله وعرفوا سنته، والذين أعزوا دين الله ونصروه؛ فكانت منزل الوحي المحمدي، ومصدر التشريع الإسلامي، ومقر السابقين الأولين إلى الدين الذي ضوى العرب كلهم إلى لوائه، ثم إن رسول الله قد اتخذها عاصمته، ووجه منها رسله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى دين الله، لا عجب وذلك شأنها أن تكون العاصمة، وأن تشد إليها الأنظار من كل صوب وحدب، فلما ظفرت بعد ذلك بالمرتدين، ثبت هذا الظفر سلطانها ومده على أرجاء شبه الجزيرة كلها، بذلك ظلت مركز الحكومة الإسلامية إلى أن انتقل الأمر إلى دمشق في عهد معاوية بن أبي سفيان.
وكان نظام الحكم بالمدينة في عهد عمر قائما على الأساس الذي قام عليه في عهد رسول الله وفي عهد أبي بكر من بعده، وكان هذا الأساس هو الشورى، استنادا إلى قوله تعالى:
وأمرهم شورى بينهم ، وإلى قوله تعالى مخاطبا نبيه:
وشاورهم في الأمر ، وقد كان رسول الله يشاور أصحابه، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر، وكان يقول لهما: «وايم الله لو أنكما متفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا.» وكان أبو هريرة يقول: «ما رأيت أحد قط كان أكثر مشاورة من رسول الله
صلى الله عليه وسلم .» فلما استخلف أبو بكر واستفتح عهده بأن وجه أسامة بن زيد لحرب الروم، استأذنه في بقاء عمر بالمدينة، ليشير عليه مع غيره من الصحابة، وكذلك فعل عمر فجعل الشورى أساس حكمه.
لم تكن الشورى يومئذ نظاما أريد به الحد من سلطان الخليفة على ما يفهم الناس اليوم في النظام البرلماني، ولم تكن لأصحاب الرأي الذين يشيرون على الخليفة حقوق يفرضون بها رأيهم عليه؛ بل كان الخليفة مطلق السلطان مع هذه الشورى، وحسابه على الله، وعلى نفسه، وعلى الشعب الذي بايعه، فإذا تجاوز الحق وعصى الله ورسوله ولم يردعه حساب ربه وحساب نفسه، كان على الشعب أن يقوم اعوجاجه بحد السيف.
ولم يكن الانتخاب بالصورة التي نعرفها اليوم أساس تلك الشورى، بل كان الخليفة هو الذي يختار من يستشيرهم، ثم كان يفاضل بين آرائهم، فيأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء، وكان أهل الرأي في عهد رسول الله هم المهاجرين والأنصار المقيمين بالمدينة، وكانوا جميعا حوله، يستمعون إليه ويشيرون عليه ويسيرون معه في غزواته، فلما كان عهد أبي بكر ذهب كثيرون إلى الميادين في العراق والشام، ثم بقي كبار الصحابة من قريش إلى جانبه، وكذلك كان الشأن في عهد عمر؛ بقي إلى جانبه أعلام الصحابة من المهاجرين والأنصار، يمحص على ضوء آرائهم كل مسألة لا يجد لها حكما في كتاب الله ولا في سنة رسوله، هؤلاء كانوا خاصة أصحاب المشورة، وكان في مقدمتهم العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ومن إليهم، على أن عمر كان يلجأ في كثير من الأحيان إلى الشورى العامة، فكان يدعو الناس إلى المسجد بالمدينة أو يدعوهم إلى صلاة جامعة حيثما كان، فيعرض عليهم ما يريد أن يستشيرهم فيه، ولمن شاء منهم أن يدلي بالرأي الذي يعن له، بل لقد كان إذا أعياه الأمر المعضل دعا الأحداث فاستشارهم لحدة عقولهم، فإذا انكشف له وجه الرأي من الشورى العامة فاعتزم أمرا أنفذه، وإذا استبهم عليه الرأي عاد إلى خاصته يستمع إليهم ويناقشهم حتى يطمئن إلى ما يؤمن بأنه الصواب.
Unknown page