187

هوامش

الفصل الثاني والعشرون

حكومة عمر

كان عهد عمر كما رأيت عهد غزو وفتح؛ حالف النصر فيه أعلام المسلمين، فامتدت دولتهم حتى جاورت أفغانستان والصين شرقا؛ والأناضول وبحر قزوين شمالا، وتونس وما وراءها من إفريقية الشمالية غربا، وبلاد النوبة جنوبا، هذا مع أن التوسع في الفتح لبلوغ هذه الأرجاء لم يكن مما أراده عمر أو أراده أبو بكر من قبله؛ وإنما كانت سياسة عمر أن يجمع الجنس العربي في وحدة تمتد من خليج عدن جنوبا إلى أقصى الشمال من بادية السماوة، وأن يدخل العراق والشام في هذه الوحدة؛ لأن السلطان فيها كان للخميين والغسانيين من العرب، فلما تم له ما أراد من ذلك ود لو يقف جنده في هذه الحدود لا يتعدوها، وتمنى لو أن بينه وبين الفرس جبلا من نار لا يخلصون إليه ولا يخلص إليهم منه، ولو أن بينه وبين الروم سدا يحول بينهم وبين استرداد ما فتحه من أرضهم، لكن الحوادث كثيرا ما كانت أقوى من الرجال، والحوادث هي التي دفعت المسلمين إلى متابعة الفتح، والبلوغ به إلى المدى الذي رأيت.

وقد أذهل هذا الفتح عالم يومئذ، وأدهش المؤرخين الذين فصلوا حوادثه وحاولوا استقصاء أسبابه، وقد أشرت من قبل إلى ما اتصل من هذه الأسباب بنفسية المسلمين الغزاة ونفسية خصومهم من الفرس والروم، وثم عامل آخر كان له أثر كبير في امتداد الفتح: ذلك نظام الحكم في شبه الجزيرة، فقد تطور هذا النظام، خلال السنوات العشرين التي تلت هجرة الرسول، تطورا مكن الأمة العربية من مواجهة تلك الأحداث التاريخية الجليلة في طمأنينة زادتها اعتزازا بنفسها، وشعورا بقوتها ، وإيمانا بأن عليها رسالة يجب أن تؤديها للعالم، ويجب أن يسمع العالم لها؛ لذلك لم يقف في سبيلها سلطان، ولم تصدها عن أداء رسالتها قوة من القوى.

لم يكن هذا النظام نتيجة تفكير منطقي، ولا عملا من أعمال الفقهاء والمشترعين اجتمعوا له ونظروا فيه وانتهوا إلى تدوينه، ثم أمر رسول الله أو أمر خلفاؤه بتنفيذه، كلا! فقد كانت هذه الدولة الناشئة تنمو في سرعة دونها سرعة الناشئ في نموه من الطفولة إلى الصبا فإلى الشباب؛ لذلك لم يكن بد لمن ولي أمرها من أن يلحظ أحوالها تبعا لأطوار نموها، وأن يجعل همه أول كل شيء إلى تنظيم مركز القوة الدافعة لهذا التطور وهذا النمو، وأن يعمل على توثيق الروابط بين أجزاء الدولة وتوكيد تضامنها، وإنما بدأ انبعاث هذه القوة الدافعة من بلاد العرب قبل أن تلتئم وحدتها، أو يستقر بها نظام ثابت يصدر عنها ويمتد منها إلى غيرها من الأمم، فقد كان النظام الموحد المستقر معروفا في البلاد المجاورة لها قبل أن تعرفه هي، ثم كان النظام الفارسي مبسوطا في العراق، والنظام البزنطي مبسوطا في الشام، ولم يفكر أحد من أهل المدينة في استعارة أي من هذين النظامين، ولم يحاول أحد فيها أن يسطر على الورق نظاما عربيا كله، أو إسلاميا كله، يطبق في بلاد الدولة أدانيها وأقاصيها، ولو أن أحدهم فكر في مثل هذه المحاولة لقضى السنين يسطر ويمحو ويثبت حتى تلتئم لهذا النظام وحده تجري في مختلف أجزائه، وما كان عهد الفتح الفسيح السريع الخطا ليتسع لشيء من هذا ولا ليطيقه، فعهد الفتح، بطبعه، عهد اجتهاد تمليه أحداث الساعة وتقضي بها أطوارها، فإذا أسرع الفتح ما أسرع في عهد أبي بكر وعمر، وجب أن يستند النظام إلى بديهة ولي الأمر أكثر من استناده إلى منطقه، وأن يساير ولي الأمر الفتح في أطواره لا يسبقها ولا يستأخر عنها.

وذلك ما حدث منذ انضوت بلاد العرب كلها إلى لواء الإسلام بعد فتح مكة والطائف، فقد أقبلت الوفود من أرجاء شبه الجزيرة تترى إلى المدينة تعلن بين يدي رسول الله إسلامها، وجعل رسول الله يبعث عماله إلى مختلف الأرجاء يفقهون الناس في الدين، ويجبون منهم الصدقات، تاركا للأمراء الذين أسلموا ما كان لهم من سلطان في بلادهم قبل إسلامهم؛ ينهضون به في حدود النظام المتوارث عندهم، بعد أن يدخلوا عليه من التعديل ما جاء الإسلام به، فلما اختار الله إليه رسوله وبايع أهل المدينة أبا بكر بالخلافة، فبعث عماله يجبون ما كانوا يجبونه من الصدقات لعهد النبي، برم العرب بهذا الأمر ولم يرضوا عنه، وعدوه انتقاصا من استقلالهم السياسي ومن حريتهم المدنية، وأصروا لذلك على دفعه، وكذلك قامت حروب الردة، ثم انتهت بظفر أبي بكر واستقرار السلطان بالمدينة، وهذا الظفر هو الذي مهد للوحدة السياسية في بلاد العرب، فلما تولى عمر بعد أبي بكر جعل همه إلى تنظيم هذه الوحدة تنظيما لا يغلو من يقول إنه كان تتويجا للثورة الروحية الكبرى، ورفعا للقواعد من سلطانها الثابت في العالم.

كان ذلك شأن العصر الذي بدأ فيه انتشار الإسلام واستقراره، ولذلك كانت سيرة القائم بالنظام وتعاليمه هي صورة هذا النظام المتصل بشخصه، المرتبط بتصرفاته وأحكامه، فسيرة رسول الله هي النظام الروحي للإسلام، وبداءة التصوير المدني لنظام الجماعة الإسلامية، وقد تطور هذا التصوير على الزمان متأثرا بالأحوال المحيطة به، مع التزامه النطاق الذي فرضه القرآن للحياة الروحية وللحياة المدنية، ولئن ظل النظام السياسي في شبه الجزيرة قائما فلم يتغير في عهد الرسول عما كان عليه قبله، لقد تأثرت الحياة المدنية بأوامر القرآن ونواهيه تأثرا كان له أعمق الأثر في كل ما تم من بعد، وكان أبو بكر خليقا بعد أن قضى على الردة واستفتح عهد الوحدة السياسية لبلاد العرب، أن ينظم هذه الوحدة وأن يضع أسسها ويرفع قواعدها، لكن التمهيد للفتح وللإمبراطورية في العراق والشام بدأ ولم تكن حروب الردة قد انتهت، فلم يكن في مقدور الخليفة الأول أن ينصرف عن مواجهة الفرس والروم إلى تفصيل النظام الملائم للوضع الجديد، في بلاد كانت الثورة لا تزال قائمة في بعض أرجائها، ولم تكن أمورها قد اطمأنت إلى وحدة مستقرة.

مع هذا بدأت الوحدة السياسية تنتظم بلاد العرب من ذلك الحين شيئا فشيئا، ولا عجب، فحيثما تجر في البلاد المتجاورة أحكام متشابهة تزل الفوارق بينها في الحياة المدنية، فيدك زوالها ما بين هذه البلاد من حوائل، وحينما يتم التوافق بين المثل الأعلى والغرض المشترك لأمم متجاورة، يصبح اندماج هذه الأمم أمرا طبيعيا ينضجه مر الزمن، ومنذ أسلم العرب تمت وحدتهم في العقائد والعادات والمعاملات ... كان تحريم الربا والخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وكان الحد من تعدد الزوجات وتحريم وأد البنات، وكان تنظيم المعاملات وترتيب الميراث، مما بعث إلى حياتهم المدنية اتساقا لم يكن مألوفا من قبل، ثم زادت وحدة العقيدة والعبادة ما بينهم من وحدة الجنس ووحدة اللغة متانة وقوة، فلما قضي على الردة واندفع المسلمون إلى العراق والشام، وتجاوبت أجواء شبه الجزيرة بأنباء انتصارهم وبقوتهم على مواجهة الفرس والروم، زاد الاشتراك في الغزو والنصر وحدة العرب قوة، وجعلهم يشعرون بحاجتهم إلى التآزر والتضامن ليظل النصر حليفهم فتزداد بين أيديهم ثمراته؛ لذلك رأيت الذين منعهم أبو بكر من الاشتراك في حرب العراق والشام، لما كان من ردتهم، يودون على اختلاف قبائلهم ومواطنهم أن يشتركوا في هذه الحروب جهادا في سبيل الله، وليكون لهم من مغانمها نصيب كنصيب الذين أقاموا على إسلامهم واشتركوا فيها منذ بدأت، فإذا أضفت إلى هذا كله ما هدى الإسلام العرب إليه من مثل أعلى أضاء لهم بنوره، وأراهم جلال الإيمان وجماله، وحبب إليهم الاستشهاد في سبيله، أدركت كيف كانت وحدة شبه الجزيرة تزداد على الأيام اتساقا وقوة، وكيف كانت تتجه لتكون وحدة سياسية كاملة، وكيف كان الزمن ينضجها شيئا فشيئا.

لا ريب في أن القائمين بأمر الإسلام في شبه الجزيرة قد كانوا محور هذه الوحدة بقوة شخصياتهم وبتعاليمهم وأسوتهم، كان النبي العربي ورسالته بالإسلام مصدر هذه الوحدة وأساسها، وكان خليفته الأول هو الذي قضى على العوامل التي حاولت مقاومتها والقضاء عليها، وكذلك آل الأمر إلى عمر حين كانت وحدة شبه الجزيرة تتراءى خلال الحجب، وحين لم يكن لها مفر من أن تكمل، ما لم يضعف القائم بأعبائها دون الاضطلاع بالتبعات الملقاة على عاتقه لتثبيتها وتوطيد دعائمها.

Unknown page