تشهد هذه الكتب التي تبودلت بين عمر وعمرو، كما يشهد ما دار من قبل بين عمر وخالد بن الوليد، بما كان عليه هؤلاء المسلمون الأولون من حرية، ومن اعتداد بالنفس واعتزاز بالكرامة في غير كبرياء باطل، لقد كانوا يحترمون النظام، ولا يتجاهلون ما جعله الله وجعله الإسلام للخليفة من حق، لكن احترامهم النظام وعرفانهم حق الخليفة، لم يكن لينسيهم كرامتهم وحريتهم ومساواتهم للخليفة فيما يجب عليه من احترام حقهم بقدر ما يجب عليهم من احترام حقه، لم يكن النظام عندهم ذلا ولا عبودية، ولم تكن حقوق الخليفة لتطغى على حقوقهم ولم يكن سلطانه ليضعف من حريتهم ومن اعتزازهم بكرامتهم، بل كانت الحرية والنظام يتوازيان فلا يطغى أحدهما على الآخر، بل يؤيد كل منهما الآخر ويزيده ثباتا وقوة، فإذا قامت في نفس الخليفة شبهة من رجل فاتهمه ثم تبين له أنه ظلمه، رأى الحق لهذا الرجل عليه أن يعتذر من اتهامه، وأن يعلن على رءوس الأشهاد براءته، وإذا اقتضى النظام أو قضت المصلحة العامة بعزل رجل من عمله لغير ريبة فيه، أعلن الخليفة سبب عزله، حتى لا تثور شبهة من الشبهات حوله، وقد كان هذا الاحترام المتبادل، وهذا التقديس للحرية والنظام جميعا، من أسباب القوة التي يسرت للمسلمين أن ينشروا في العالم حضارة استقرت فيه دهرا طويلا.
كان عمر، على احترامه لهذا النظام أصدق الاحترام، لا يتردد في عزل كل عامل لا تنتفي الشبهات من نفسه في أمره، بل يرى ذلك واجبا عليه وجوب احترامه للحرية والنظام، وقد رأيت في هذه الكتب التي تبودلت بينه وبين عمرو أنه كان موشكا أن يعزله، ولعله كان فاعلا لولا أنه قتل بعد قليل من تبادل هذه الكتب ومن مقاسمة عمرو ماله، فبقي عمرو معلقا، لكن هذا التعليق لم يدم طويلا في خلافة عثمان بن عفان.
ترى لو أن عمر لم يقتل وعزل عمرا، أفكان يتعصب لابن العاص أقوام كما تعصب لخالد بن الوليد يوم عزله عمر أقوام؟ وهل كان عمر يتهم في تصرفه هذا كما اتهم في تصرفه بعزل خالد؟ أو أن فاتح مصر لم يكن له من الأنصار ما كان لسيف الله، وأنه كان متهما عند الناس بما اتهمه الخليفة به، فما كان عزله ليثير ثائرة أو ليزعج أحدا؟!
يتعذر الجواب عن هذا السؤال؛ فقد عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن أبي السرح، فلم يذكر المؤرخون المسلمون عما أثاره هذا العزل شيئا يشبه ما ذكروا لعزل خالد بن الوليد، أفيرجع ذلك إلى أن عمرا كان يفيد من مصر لنفسه ولقومه فلم يغضب أحد منهم لعزله، بل لم يعن أحد منهم بأمره؟ أم أن قوما تعصبوا لعمرو بالفعل، وروى الرواة ما حدث من ذلك، ثم أهمل المؤرخون ذكره؛ لأنهم رأوا في ممالأة عمرو لمعاوية في خلافه مع علي بن أبي طالب ما صرفهم عن ذكره؟ أيا ما يكن الأمر فإن الدولة الإسلامية مدينة لعمرو بفتح مصر، مدينة له بحسن سياستها وتألف قلوب أهلها، وذلك دين لم يكن ليجزيه ما قيل إنه أفاده لنفسه إن صح، صحيح أن نزاهة الحكم يجب أن تسمو على كل اعتبار؛ لكنا لم نجد فيما نسب إلى عمرو ما يدل على أنه خالف النزاهة مخالفة تسوغ الغمط من حقه أو التهوين من جليل عمله.
ويزيدنا إكبارا لعمرو وتنويها بفضله أن ما حدث من عزله لم يدفعه للنكول من بعد عن أداء واجبه، فقد أقام بمكة في حين كان عبد الله بن سعد بمصر يرهق أهل الإسكندرية بالضرائب فيدفعهم للتذمر، ويدفع الروم منهم أن يكتبوا إلى قيصر بالقسطنطينية أن الفرصة سانحة له ليأخذ بثأره، وقد استجاب قيصر لهذا النداء؛ فبعث القائد «مانويل» في جند كثيف حمله أسطول مؤلف من ثلاثمائة سفينة سار بهم إلى الإسكندرية وأنزلهم بها، فاحتلوها وقتلوا جند المسلمين المرابطين فيها، وأذاعوا الرعب في قلوب أهلها، ووضعوا أيديهم على كل مرافقها، ولم يستطع عبد الله بن سعد مقاومة هذا الغزو، فبعث إلى الخليفة يستنجده، ودعا الخليفة عمرو بن العاص وطلب إليه أن يعود إلى مصر ليقاتل الروم، فلم يتردد ،
14
ولم يجعل من حفيظته لعزله أي أثر في نفسه، بل سار حتى بلغ بابليون حين كان مانويل وجنوده يتقدمون في مصر السفلى، ولقيهم عمرو بنقيوس فهزمهم وردهم إلى الإسكندرية فتحصنوا بها ولما رأى عمرو حصون المدينة تقاومه أسف أن ترك هذه الحصون قائمة، وأقسم: لئن أظفره الله بالمدينة ليهدمن أسوارها، حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان! وذكر المصريون ما كان من رفقة بهم وحسن سياسته فيهم، فأعانوه على عدوه فظفر به ثم حطم حصون الإسكندرية وأسوارها بعد أن قتل مقاتلتها، وأخذ النساء والذراري فجعلهم فيئا.
وأراد عثمان بن عفان مكافأة عمرو بأن يجعله أميرا على جند مصر، مع بقاء عبد الله بن سعد واليها وصاحب خراجها؛ فرفض عمرو عرض الخليفة وقال: «أنا إذن كماسك البقرة بقرنيها، وآخر يحلبها!» وعاد إلى مكة حتى آل الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، فولاه مصر وأطلق يده فيها، وساس ابن العاص مصر بحكمته وحسن رأيه، وظل مقيما بها إلى آخر عمره، ثم مات بها ودفن فيها، ولكن الزمن عفى على قبره، فما من أحد يعرف اليوم مكانه.
لم نفصل أعمال عمرو بمصر بعد عهد عمر؛ لأنها لا تدخل في نطاق هذا الكتاب، فلنعد بذاكرتنا إلى ما أثبتناه فيه، مذ بدأ عمرو يفكر في فتح مصر، لنذكر ما كان لهذا الرجل من فضل في نقل مصر من يد الروم إلى يد المسلمين، فهو الذي سار إليها في جند لا يبلغ أربعة الآلاف، وهو الذي فتحها بهذا الجند وبالمدد القليل الذي أمده الخليفة به، وهو الذي وجه سياستها، ونظم حكمها، ودبر أمورها، وتألف أهلها، وليس يغلو لذلك من يقول: إن مصر الإسلامية مدينة بوجودها لعمرو بن العاص، دينا لا تعرف العراق ولا الشام ولا الفرس دينا مثله لفاتح من المسلمين.
الآن فرغنا مما تم في عهد عمر من فتوح عظيمة هزت العالم وبهرت المؤرخين، وقد تركنا شبه الجزيرة، في أثناء هذه الفتوح، لنرى كيف أدال الغزاة العرب من دولة كسرى ومن دولة قيصر ، فلنعد كرة أخرى إلى المدينة ، ولنقف إلى جانب عمر، لنرى كيف تطورت شبه الجزيرة في عهده، وكيف واجه أهلها هذه الأطوار الجسيمة التي حدثت تحت سمعهم وأبصارهم، وسيرى القارئ معنا أن ما تم من ذلك لم يكن أقل عظمة ولا جلالا من عظمة الفتوح وجلالها، وأنه كان أكثر من الفتوح بقاء على الزمن، وأعمق منها أثرا في حياة العالم كله.
Unknown page