وتصور أيها القارئ أثر هذه الجمل التي كانت تصدر عن «باخوم» ملتهبة، فتحرق قلوب المستمعين له تحريقا. تصور أثر هذه الجمل في تشويق أهل القرية إلى هذه القصة التي سيطرفهم بها هذا الشيخ. وإنهم ليريدون أن يتعجلوه، ولكنه مطرق مغرق في الصمت، وقد اتصلت أبصارهم به، وتعلقت قلوبهم بشفتيه. ولبث هو في صمته حينا، وقد سكن الليل وسكت النسيم، كأنما تريد الأرض والسماء، وهذه النجوم المتألقة، وهذا النيل الذي يسعى هادئا من بعيد، أن تسمع له وتستمتع بحديثه، كما يستمتع له الفلاحون في قرية من قرى الصعيد.
قال باخوم بعد ساعة: كان ذلك منذ عامين حين انتهت بي الأسفار إلى مكة! تلك القرية التي تسمعون ذكرها أحيانا حين تفد علينا قوافل قريش تحمل إلى مصر تجارة اليمن والهند. فقد ألممت بها، وإن لي من أهلها لبعض الصديق، وكنت أريد أن أقضي فيها أشهرا، ثم أرحل مع قافلتهم إلى اليمن لأبلغ تلك المدينة الصالحة التي يسكنها قوم صالحون قد فتنوا في المسيح، فصبروا على الفتنة، وكنت أريد أن أقيم لهم كنيسة وأترك فيها أثرا باقيا.
فما أقضي في مكة شهرا وبعض شهر حتى يتوسل إلي بعض الصديق من قريش في أن أبني له دارا، فلا أمتنع عليه، وإنما أجيبه إلى ما أراد، وفاء ببعض ما بيننا من المودة، وأداء لبعض ما لهؤلاء الناس علي من حق. وقد صحبتهم في سفر شاق بعيد، فحموني وحاطوني ورفقوا بي ووفوا لي بذمتهم، وأكدوا لي صادقين أنهم سيبلغونني نجران إذا ارتحلوا إلى اليمن، وسيردونني إلى مأمني إذا عادوا إلى بلاد الروم. فلم يكن بد إذا من أن أستجيب لصديقي، فأقيم له داره التي أراد أن يبنيها. وما هو إلا أن يكون التنافس بين القوم! فهؤلاء نفر من سراتهم وعظمائهم يتوسلون إلي في مثل ما توسل إلي ذلك الصديق فيه. وكلهم يعظم لي الأجر، ويهدي إلي ما استطاع من الخير. وإني لفي ذلك أجيب منهم من أستطيع إجابته راضيا مسرورا بإرضاء هؤلاء القوم الكرام، وبمعاودة المهنة بعد أن طال إهمالي لها وإعراضي عنها، وإذا خاطر يخطر للملأ من قريش ذات ليلة وهم يسمرون، فيفكرون فيه ثم يفكرون، ثم يستأنون به، ثم يعودون إليه، ثم يؤخرونه، ثم يستأنفون النظر فيه، ثم يفضون إلي به على أنه شيء يريدونه وتتمناه قلوبهم، ولكنهم لا يجرؤن عليه. يشفقون أن يكون في الإقدام عليه ما يغضب آلهتهم، ويجر عليهم ما يكرهون. رأوا بيتهم ذاك الذي يقدسونه ويعبدون ربهم فيه قد طال عليه العهد، وبعدت به الأيام، وظهر عليه الوهن، وتعرض لأخطار السيل، واجترأ عليه اللصوص فسرقوا بعض ما فيه من متاع، فتساءلوا: ألا يكون من الخير أن يهدموا بناءه هذا القديم، ويقيموا لربهم بيتا جديدا فخما متينا، يلائم مكانته في قلوبهم، ويلائم ثروتهم هذه التي تزداد من يوم إلى يوم، ويلائم هذه الدور التي أخذوا يقيمونها لأنفسهم فخمة متينة، قد يسرت لهم فيها أسباب الترف والنعيم؟ ولكنهم يفكرون ولا يعزمون، يخشون ألا يرضى ربهم عما لا بد لهم منه من هدم البيت إن أرادوا له تجديدا. وكان يزيد خوفهم وإشفاقهم ويملأ قلوبهم فزعا وهلعا كلما هموا بالإقدام أن حية كانت تظهر كل يوم، فتسعى على جدران البيت صاعدة هابطة دائرة من حوله، وكان منظرها بشعا مخيفا، وكانت إذا دنا منها دان اتخذت شكلا رهيبا، لا يراه من يدنو منها حتى يرتد عنها مذعورا. فكانوا يخشون أن تكون هذه الحية حارسا لهذا البناء، وكانوا يقدرون أنهم إن أتموا رأيهم وأنفذوه لم يدنوا من البيت ليأخذوا في الهدم حتى تردهم عنه مدحورين. وإنهم لفي أنديتهم حول البيت ذات يوم وإذا الحية قد خرجت من مخبئها، وجعلت تزحف كدأبها، وجعلوا هم ينظرون إليها مروعين، وإذا عقاب تهوي من السماء فتأخذ الحية من ذنبها، ثم ترتفع بها في السماء وهم ينظرون ويعجبون، وقد غابت عنهم العقاب. فما يشكون في أن ربهم قد أذن لهم في أن ينفذوا ما عزموا عليه. وقد أحسوا بعد هذا الحادث شجاعة وإقداما، وجعلوا يديرون أمرهم بينهم، ويدبرون ما لا بد من تدبيره لبناء هذا البيت.
وإنهم لفي ذلك وإذا الأنباء تصل إليهم ذات صباح بأن سفينة من سفن الروم قد طغى عليها البحر، وعبث بها الموج، وقصفت بها الريح ثم دفعتها إلى الساحل القريب. فيسرعون إلى البحر، وأسرع معهم، ويرون السفينة وقد عطبت، واضطر أهلها من الروم والمصريين إلى أشد الخوف وأعظم الهلع؛ لأنهم دفعوا إلى غير مأمن، ووقعوا إلى أرض ليس لهم فيها جار. ولكن قريشا يلقون أصحاب السفينة أحسن لقاء، ويؤمنونهم على أنفسهم وأموالهم، ولا يرضون حتى يشتروا منهم هذه السفينة التي أدركها العطب، ويقولون لي: «فإنا نستطيع أن نتخذ من خشب هذه السفينة لبيت ربنا سقفا.» ولم يرتابوا بعد ذلك في أن ربهم قد أذن لهم بهدم البيت وتجديده. ألم يرسل العقاب إلى تلك الحية فتخطفها! ألم يرسل إليهم هذه السفينة ليتخذوا منها للبيت سقفا! ألم يرسلني أنا إليهم لأبني لهم هذا البيت كما نقيم البناء في مدن الروم!
وكذلك تمت كلمتهم على إنفاذ ما دبروا. ولم أتردد أنا في أن أكون من بناء البيت عند ما يحبون. وكنت أنظر إليهم وإلى ما كانوا يرون ويقدرون في شيء من العطف عليهم والابتسام لهم؛ فهم أصحاب سذاجة لم يألفوا من الحضارة ما ألفنا، ولم يبلوا من خطوب الأيام ما بلونا. فأيسر شيء يدفعهم إلى التفاؤل، وأيسر شيء يردهم إلى التشاؤم، وأيسر شيء يدعوهم إلى الإقدام، وأيسر شيء يضطرهم إلى الإحجام. ولكني لم ألبث أن أحسست ما يحسون من روع، وشاركتهم فيما كان يملك قلوبهم من تردد واضطراب. حضرتهم ذات يوم وقد أطافوا ببيتهم، وجعل بعضهم يؤكد لبعض تقادم العهد به، وإلحاح الزمان عليه، وحاجته إلى التجديد، ويسعى شيخ من شيوخهم حتى يمس حجرا من أحجار البيت ناتئا بعض الشيء، فيجذبه بيديه فينجذب، وقد بعد الشيخ بهذا الحجر عن البيت شيئا وهو يحمله في يده. ولكن ماذا نرى؟ نرى هذا الحجر يفصل عن يد الشيخ، ويمضي وحده في الهواء حتى يرتد إلى مكانه من البيت كأحسن ما يمكن أن يستقر في موضعه. ولست أخفي عليكم أني لم أكن أقل القوم ارتياعا واضطرابا حين رأيت هذا المنظر البديع، بل ما أشك في أني كنت أشدهم ارتياعا واضطرابا، وأعظمهم حيرة، وأعجزهم عن الفهم والتأويل. ذلك أن هذا الحدث قد روعهم شيئا، ولكنه لم يذهب بصوابهم، ولم يخرجهم عن أطوارهم. وما أسرع ما فهموا، وما أحسن ما أولوا! فقد قال قائلهم: يا معشر قريش أقدموا على أمركم، ولكن احذروا أن تنفقوا في هذا البناء مالا حراما، لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبا. لا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
ثم غدوا إلى البيت يريدون هدمه، وقد صمموا على ذلك، ولكنهم على تصميمهم لا يجرءون، فيندبون شيخا منهم فيرقى إلى البيت، ويبدأ في الهدم وهو يقول في لهجة ساذجة كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأبعده: «اللهم لا ترع، إنما نريد الخير.» وكان القوم ينظرون إليه معجبين به، مشفقين عليه من إقدامه دون أن يشاركوه فيما أخذ فيه، وإنما أجمعوا أمرهم بينهم أن ينتظروا ليلتهم حتى إذا أصبحوا رأوا! فإن كان قد نزل بالشيخ مكروه أو ألم به خطب، علموا أن ربهم غاضب، فأصلحوا ما هدم الشيخ وتركوا البيت على حاله، وإن غدا عليهم سالما موفورا علموا أن ربهم راض، فمضوا في الهدم وأقاموا البناء.
وأصبح الشيخ سليما معافى، فغدا على عمله وغدوا معه، حتى هدموا البيت. ثم جعلوا يجمعون الأحجار يسعون في جمعها بأنفسهم لا يستأجرون لذلك أحدا، ولا يكلون ذلك إلى رقيق، يرون النهوض بذلك حقا عليهم وشرفا يبقى لهم في أعقابهم. وأخذت أنا أبني لهم البيت أقيمه على أسسه القديمة التي لم يمسوها.
ولهم في هذا البيت حجر يعظمونه ويكرمونه، ويرونه هبة لهم من ربهم. فلما بلغ البناء إلى حيث يجب أن يوضع الحجر اختلف القوم بينهم: أيهم يضعه موضعه! فكلهم ابتغى لنفسه هذه المأثرة، وكلهم حرص عليها أشد الحرص! وإذا اختلافهم يستحيل إلى خصومة، وإذا خصومتهم تبلغ من الشر إلى أقصاه، وإذا هم يتلاحون ويتناذرون، ويؤذن بعضهم بعضا بالحرب، وقد وقف البناء، وفسد الأمر بين القوم فسادا عظيما. وأقاموا على ذلك أياما وليالي، وتحالف بعضهم على الشر، فجاءوا بجفنة قد ملئوها بالدم وغمسوا فيها أيديهم وهم يقسمون . ليستأثرن بهذا الشرف أو ليموتن من دونه. ثم يجتمع الملأ منهم صباح يوم فيتناهون ويتناصحون، ثم يشير عليهم شيخ منهم بأن يحكموا في هذه الخصومة أول داخل عليهم من باب من أبواب المسجد، يسمونه باب بني شيبة. فلا يلبثون أن يدخل عليهم من الباب رجل شاب لم يروا أجمل منه طلعة، ولا أعظم منه هيبة، ولا أحسن منه سيرة في قومه. سمعت من أنبائه الشيء الكثير، ولكني استيقنت أنه رجل عظيم الخطر حين رأيتهم ينظرون إلى مقدمه مبتهجين ويصيحون: «هذا الأمين، قد رضينا. هذا محمد، قد سلمنا.» ثم يعرضون عليه الخصومة. فما رأيت وقارا كوقاره، وما رأيت أناة كأناته، وما رأيت هدوءا كهدوء نفسه، وما رأيت رجلا أرفق منه بقومه، وأعطف منه عليهم، وآثر منه لهم بالخير. وانظروا إلى قضائه فيهم، فسترون كما أرى أنه لم ينتج عن تفكير إنسان، وإنما كان إلهاما من الله.
نزع الأمين رداءه فألقاه على الأرض، ثم وضع الحجر في وسطه، ثم قال لقومه: «لينتدب من كل ربع من أرباع قريش رجل.» فلما اجتمع أربعة نفر يمثلون قومه كلهم، قال: «ليأخذ كل واحد منكم بزاوية من زوايا الرداء»، ففعلوا واشتركت قريش كلها في رفع الحجر، وتقسمت قريش كلها هذا الشرف العظيم قسمة سواء عدلا، حتى إذا انتهوا إلى البناء آثره ربه بخلاصة هذا الشرف وخير ما في هذه المكرمة، فيأخذ الحجر بيده، ويضعه في موضعه، والقوم راضون فرحون، قد اطمأنت قلوبهم إلى هذا العدل، واستبشروا بما كف عنهم من الشر، وبما عصم لهم من الأنفس وحقن لهم من الدماء. وهنا استيقنت أني رأيت رجلا هو أحب خلق الله إلى الله، وأكرمهم عليه. ولكني لم ألبث أن رأيت شخصا يجب أن يكون أبغض خلق الله إلى الله، وشرهم عنده مكانة. كان رجلا شيخا حسن الطلعة، جميل المنظر، عليه وقار، وله سمة، ولم أكن قد رأيته في القوم قط، وما كان شكله ملائما لأشكالهم، ولا زيه مشاكلا لأزيائهم. ولكني رأيته فجاءة لا أدري من أين جاء، أنجم من الأرض أم هبط من السماء.
أقبل هذا الشيخ النجدي يناول الأمين حجرا يثبت به الركن الأسود في موضعه، فيقبل رجل من عمومة الأمين، فيأبى على هذا النجدي وينحيه ويدفع إلى الأمين الحجر الذي يشد به البناء. هنالك غضب الشيخ النجدي، فقال له الأمين: «إنه ليس يبني معنا في البيت إلا من كان منا.» فجعل النجدي يقول: «يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنا، وأقلهم مالا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له. أما والله ليفوتنهم سبقا، وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا.»
Unknown page