قال: «تأويله يا ابنة عم أن الله يريد أن يستأثر بإنباء محمد بما كتب له من كرامة، وما هيأ له من أمر عظيم. وهو لا يريد أن ينبئه بذلك إلا حين يبلغ الكتاب أجله، وينتهي الأمر إلى إبانه.»
قالت خديجة: «فإني لا أفهم ظهور هذه البشائر والآيات لبعض الناس دون بعض، وانجلاء هذه الحقائق والمعجزات لبعض القلوب دون بعض.»
قال ورقة: «لو شاء الله لأظهر هذه الآيات للناس جميعا، ولو شاء الله لما أظهر من هذه الآيات شيئا لأحد من الناس. أترين أن الله لم يكن قادرا على أن يقي محمدا حر الهاجرة دون أن يرسل إليه هذين الملكين يظللان عليه؟ أترين أن الله لم يكن قادرا أن يحجب هذه الآية عن ميسرة كما حجبها عن رفاقه الذين كانوا يسايرونه في العير، كما حجبها عن محمد نفسه في أكبر الظن؟! كلا يا ابنة عم! إن قدرة الله لأوسع من ذلك وأشمل، وإنه ليظهر من آياته ما يشاء، كما يشاء، لمن يشاء؛ لأن له في ذلك حكمة بالغة، وأربا قد تعجز عقولنا عن فهمه وتعيا معرفتنا عن تأويله. وانظري من حولك يا ابنة عم، فما أكثر ما يتغير من الأشياء! وما أكثر ما نرى من الأمر فننكره ونعجب له! ولكننا لا نستطيع له رفضا ولا ردا! لأنه الحق الواقع الذي لا نستطيع أن نماري فيه.
إنك لتعرفين من أمر عبد المطلب ما تعرفين، وما أرى أنك نسيت قصص عبد الله. وما أشك في أن ما يحيط بمحمد من غريب الأمر قد انتهى إليك كله أو أكثره. أفرأيت أسرة من قريش قد اجتمع لها مثل ما اجتمع لآل عبد المطلب، وألم بها ما ألم بآل عبد المطلب؟»
قالت خديجة: «لا! وإني في ذلك لكثيرة التفكير، أعجب ببعضه، وأرثي لبعضه، وأقف من بعضه حائرة بين الإعجاب والرثاء.»
قال ورقة: «وكذلك أكثر الناس يا ابنة عم، يرون ويعجبون، ثم ينسى أكثرهم، ولا يذكر منهم إلا الأقلون.»
ثم أطرق ورقة إطراقا طويلا حتى خيل إلى خديجة أنه قد نسي مكانه منها ومجلسه عندها؛ ولكنه رفع إليها وجها قد تحدرت عليه بعض الدموع، وقال في صوت متهدج: «فلنر كما يرى الناس، ولنعجب كما يعجبون، ولكن لنجتهد في ألا ننسى؛ فإن الذكرى قد تنفع في يوم من الأيام، وهي بعد الخصلة التي تميز القلب الكريم.»
وهم أن ينهض، ولكن خديجة استبقته قائلة: «أقم فإن حديثي لم ينته.»
قال ورقة: «أقدمي يا ابنة عم على ما تديرين في نفسك، لا تحجمي ولا تترددي! فأنت أسعد نساء قريش، بل أسعد نساء الأرض إن أتم الله لك ما تتمنين.»
قالت خديجة دهشة: «وقد علمت هذا أيضا؟!»
Unknown page