Buasa Fi Cusur Islam
البؤساء في عصور الإسلام
Genres
للإحسان طرق متعددة، تختلف باختلاف نواحيها، ومهما كانت نتيجة هذا الاختلاف، فقد تؤدي هذه الطرق إلى غاية واحدة؛ هي تخفيف ويلات الإنسانية المعذبة، وعلى الخصوص طائفة البؤساء، بتجفيف دموع هؤلاء الذين نكبوا في الحياة. ويجب على أهل الخير والإحسان أن يجبروا هذه القلوب المصدوعة التي ضعضعها الزمن.
ولقد وجدت من أبناء مصر، وفي كل ناحية من نواحيها منتهى العناية، ومدارج البر والإحسان في نواح كثيرة، وسبل متعددة. وإن سماء مصر تظل جيشا جرارا، كلهم بل جلهم ليس لهم من مسترزق يتعيشون منه غير إحسان المصريين الكرماء.
ولو كان للإحسان أصل في عالم الوجود؛ فلا شك أن كرماء مصر هم ذلك الأصل ومصدره. •••
وقال من مذكرة أخرى: إن الأمة المصرية الكريمة من خير الأمم، بل الأمة الوحيدة التي ضربت في الحضارة بقسط وافر، وبينها وبين الأمم الأخرى فرق عظيم من حيث السخاء ومكارم الأخلاق وإكرام النزيل، وأين هذه الأمة العظيمة المتمدينة الراقية، التي لا يعلم عصر تمدينها وهو يرجع إلى آلاف الآلاف من السنين، من أهل بغداد على شحهم وبخلهم وحاجتهم إلى العلم بالكرم والجود؟! •••
وفي هذا الوقت القصير الذي مكث فيه بمصر استقامت أحواله؛ فصار كأنه ملك أو أمير، ونسي بل تناسى أيام بؤسه وشقائه.
وكان وديع النفس هادئ الطباع، دمث الأخلاق، قوي الذاكرة، عالما متبحرا في العلم، وكان له في القاهرة مجلس علم حافل لا يجتمع فيه غير العلماء والوجهاء وأعيان الدولة.
وبالجملة فقد كان القاضي عبد الوهاب محترما مهيبا. «ومما روي عنه»: أنه في ذات يوم أمر طاهيه أن يصنع له صنفا من طعام كانت نفسه تشتهيه، فلما جاء الطاهي به أخذ يأكل فوق طاقته (أي أنه أكثر من تناول هذا الطعام) فكانت شهوة نفسه قاضية على حياته، ولم يتمتع بملذاته، وقال وهو يجود بآخر نفسه: «لا إله إلا الله! لما جئنا نعيش متنا.»
وكانت وفاته بمصر سنة «450 هجرية». ا.ه.
ابن الخياط
هو أبو عبد الله محمد الثعلبي المعروف بابن الخياط، الشاعر المفطور، والمتكلم المشهور، رب الأدب، وأبلغ من كتب، حجة الشعراء، وإمام الخطباء، طاف البلاد، وقطع الوهاد، حتى دخل بلاد العجم، وامتدح الملوك والأمراء، وجالس العلماء والعظماء، وكان مع نباهته وبلاغته بائسا فقيرا معدما. «قيل» إنه لما دخل حلب كان فقير الحال لا يقدر على شيء، وليس معه ما ينفقه؛ فكتب رقعة إلى ابن حبوس الشاعر المشهور يقول فيها:
Unknown page