ولم ير الرجل ابنه في مجال ضوء المصباح، ولم يسمع صوته، ولكن حجازي اقترب منه وسأله بصوت مرتفع ليسمعه على رغم الضوضاء: هل تاه ابنك مرة أخرى؟
وصاح به فرحات: تعال اسمع ما يقال وانظر كيف يعبث العابثون بآل جبل على آخر الزمان!
فهتفت عبدة جزعا: وحدوا الله، والمسامح كريم.
فتعالت أصوات الغضب، يهتف بعضها: «هذه المرأة مجنونة!»، ويهتف آخرون: «إنها لا تعرف معنى الشرف!» وامتلأ قلب شافعي رعبا وسأل حجازي مستعطفا: أين الولد؟
فشق حجازي سبيله حتى الباب وصاح بأعلى صوته: يا رفاعة .. تعال يا ولد كلم عم شافعي.
فاختلط الأمر على عم شافعي الذي كان يظن ابنه مقبوضا عليه في ركن الدهليز، وإذا برفاعة يظهر في مجال الضوء فيجذبه أبوه من ذراعه ويتقهقر به إلى موقف عبدة. وسرعان ما تراءى فانوس في يد شلضم يسير به بين يدي خنفس الذي تقبض وجهه حنقا وتجهما. واتجهت الأنظار نحو الفتوة وساد الصمت. وتساءل خنفس بصوت غليظ: ماذا وراءكم؟
فأجابه أكثر من صوت في آن: ياسمينة لوثتنا!
فقال خنفس: فليتكلم الشاهد منكم!
فتقدم زيتونة - سائق عربة كارو - حتى وقف أمام خنفس وقال: منذ قليل رأيتها خارجة من باب بيت بيومي الخلفي، تبعتها إلى هنا ثم سألتها عما كانت تفعله في بيت الفتوة فتبين لي سكرها. كانت رائحة الخمر تخرج من فيها فتملأ الدهليز، أفلتت مني وأغلقت على نفسها الباب. والآن سلوا أنفسكم عما يمكن أن تفعله امرأة سكرانة في بيت فتوة.
استرخت أعصاب شافعي وعبدة من ناحية، وتوترت أعصاب خنفس من ناحية أخرى. أدرك الرجل أن فتونته تتعرض لامتحان قاس؛ فلو تهاون في معاقبة ياسمينة سيفقد كرامته أمام آل جبل، ولو ترك الغاضبين ليعتدوا عليها فسيدفع بنفسه إلى موقف التحدي أمام بيومي فتوة الحارة كلها. ما العمل؟ وكان رجال جبل يتوافدون من الربوع، ويحتشدون في الحوش، وفي الحارة أمام ربع النصر فازداد مركز خنفس حرجا. وتتابعت الأصوات في غضب: اطردوها من حي آل جبل. - يجب أن تجلد قبل طردها. - اقتلوها قتلا.
Unknown page