جلست أنجيلا أمام البيانو في غرفة المعيشة ببيت فاليري؛ فلا يوجد بيانو في بيت جورج، وهي تفتقد العزف عليه. ألا تفتقد أمها البيانو أيضا؟ أمست أمها إنسانا لا يطلب شيئا.
خطت أنجيلا في مذكراتها: «رأيتها تتغير من شخص كنت أحترمه أيما احترام إلى شخص على شفا الانهيار العصبي. إذا كان هذا هو الحب، فلا أريد نصيبي منه. إنه يريد أن يستعبدها ويستعبدنا كلنا، وهي تسير على حبل مشدود محاولة أن تحول بينه وبين الجنون. فلا تستمتع بشيء، وإذا كان الخيار بيدها، لفضلت الاستلقاء في غرفة مظلمة وعلى عينيها حجاب فلا ترى أحدا ولا تفعل شيئا. هذه امرأة ذكية كانت تؤمن بالحرية.»
شرعت أنجيلا في عزف مقطوعة «المسيرة التركية» التي تستدعي إلى عقلها صورة بيت اشتراه والداها عندما كانت في الخامسة من عمرها؛ وكان فيه رف صغير بالقرب من السقف في غرفة الطعام اعتادت أمها أن تضع عليه أطباق الحلوى لأغراض الزينة، وكان هناك شجرة أو شجيرة في الباحة لها أوراق بلون الخس وبحجم أطباق الطعام.
كتبت في مذكراتها: «أعرف أن الحنين إلى الماضي شعور لا طائل منه. أحيانا أشعر وكأنني أمزق بعض الأشياء التي خطها قلمي حيث ربما كنت قاسية أكثر من اللازم في الحكم على أناس أو مواقف، لكنني قررت أن أترك كل شيء على حاله لأنني أريد أن يكون لدي سجل بحقيقة مشاعري حينئذ. أريد أن يكون لدي سجل صادق عن حياتي كلها. إنني أرى أن المشكلة الأساسية في كل مكان هي منع المرء نفسه من الكذب.»
خلال الصيف، قضت أنجيلا فترة طويلة من الوقت في القراءة. ومن بين ما قرأت «آنا كارنينا»، و«الجنس الآخر»، و«إميلي فتاة الرياح»، و«مختارات نورتون من الأشعار»، و«السيرة الذاتية لدابليو بي ييتس»، و«الساقطة السعيدة»، و«خلق الخلق»، و«سبع حكايات قوطية». وتحريا للدقة، فهي لم تقرأ بعض هذه الكتب إلى النهاية. اعتادت أمها القراءة طوال الوقت أيضا؛ إذ كانت أنجيلا ترجع إلى البيت من المدرسة تارة ظهرا وتارة بعد الظهر لتجد أمها منكبة على القراءة. قرأت أمها عن غزو المكسيك، وقرأت «قصة جنجي». وكانت أنجيلا تتعجب من مدى الأمان الذي بدا لها أن أمها تشعر به آنذاك.
كانت أنجيلا تحتفظ في خيالها بصورة واحدة عن إيفا قبل أن تولد الأخيرة؛ كان ثلاثتهم - أنجيلا وأمها وأبوها - جميعا على الشاطئ، وكان أبوها يحفر حفرة ضخمة في الرمال؛ فهو بارع في بناء قصور الرمال ذات الدروب وأنظمة الري؛ ولذلك تراقب أنجيلا باهتمام أي مشروع يشرع في بنائه. لكن الحفرة لا تستخدم في بناء قصور الرمال. فبعد أن انتهى منها أبوها ، تدحرجت أمها على الرمال باتجاه الحفرة وهي تقهقه، ووضعت بطنها في الحفرة. كانت إيفا في أحشائها، والفجوة أشبه بملعقة تسع بيضة. كان الشاطئ واسعا، يمتد لأميال وأميال من الرمال البيضاء التي تميل برقة باتجاه المياه الخضراء المائلة إلى الزرقة. ولا وجود لأرض صخرية بمحاذاة البحر، ولا لخلجان صغيرة. كان المكان مشرقا ورحبا. أين يمكن أن تكون هذه البقعة؟
انتقلت أنجيلا في عزفها من مقطوعة «المسيرة التركية» إلى «موسيقى ليلية صغيرة»، وكانت روبرتا تنصت إلى أنغام البيانو في الوقت الذي تستمع فيه إلى فاليري التي تتكلم بروح مرحة وبيأس عن خوفها من كمبرلي، وكراهيتها للدخلاء، وترددها المتعذر تبريره حيال التخلي عن أطفالها، وتفكر في أن تلك الخطوة لم تكن خاطئة. ماذا تعني بذلك؟ تعني أن هجرها لزوجها لم يكن خطأ. مهما حدث، فإن هجرها له لم يعبه شيء. بل كان ضروريا، وإن لم تفعل ما كانت لتعرف مدى ضروريته.
قالت فاليري بتعقل: «هذا وقت عصيب بالنسبة لك؛ فثمة ضغوط مهولة جدا.»
ردت روبرتا: «هذا ما أحدث نفسي به؛ لكنني أحيانا أظن أن هذا ليس السبب، لا البيت ولا الأبناء. ثمة هالة من الكآبة تخيم علي.»
قالت فاليري بنبرة متذمرة: «ثمة هالة من الكآبة دائما.» «أفكر في آندرو، ماذا كنت أفعل معه؟ أمهد الطريق للكشف عن مثالبه، وألوم عليه بقسوة، ثم أفقد شجاعتي وأصالحه. وتدريجيا تتجدد الرغبة في التخلص منه، لكنني كنت على يقين دائما بأنه هو الملوم، فلو كان قد فعل هذا أو ذاك لكنت أحببته. من المؤسف أنه تحول إلى - أتذكرين تلك الصفة التي وصفته بها؟ - شخص ممل.»
Unknown page