فلما سمعت ميمونة ذلك أجفلت وتغير لونها، فشغلها عن دهشتها بإتمام حديثه فقال: «وقد حفظتهما في الصندوق حتى أتيت برأس الأمين وهو ثالثهما، وسيؤتى به إلينا غدا ويدفن الثلاثة معا؛ فأكون قد وفيت نذر والدتي وزدت على ذلك أني أتيتها بابنة جعفر حبيبنا.»
وكانت فاطمة في أثناء ذلك مستغرقة في النوم لشدة ضعفها، فلما فرغ بهزاد من حديثه أمسك ميمونة بيدها وأدناها من سريرها وهو يقول: «هذه ميمونة بنت جعفر بن يحيى قتيل الرشيد، قد أسعدني الحظ بلقياها، وأحببتها وأحبتني، وقاست العذاب معي، وقد فرحنا معا، وهي ستكون زوجتي فباركيها.»
فرفعت يدها وأشارت إليها أن تدنو منها، فدنت فقبلتها ومسحت وجهها بكفها وتمتمت وأشارت إلى ثوبها الأسود وشفعت ذلك بإشارة النهي، ففهمت أنها تأمرها بنزع الحداد فأشارت مطيعة، ثم استقدم عبادة وكانت بجانبه، وقال لها: «وهذه أم الفضل والدة جعفر.»
فحدقت فيها مع شخوص بصرها وجموده وتكلفت الابتسام، كأنها تقول: «عرفتها.» فقالت عبادة: «نعم، إني أعرفك منذ صباي.» وانحنت عليها وقبلتها فلمستها فاطمة بشفتيها وقد أخذ منها الضعف مأخذا عظيما وأحست بضيق صدرها وسرعة تنفسها، فعلم القوم أنها في حالة النزع، ولكنها ما زالت مبتسمة ابتسام الفوز حتى فاضت روحها وهم ينظرون.
الخائن لا صديق له
وبعد أيام عقد لبهزاد على ميمونة، ثم بعث إلى سلمان فولاه رياسة الخرمية، فذكره سلمان بوعده بالتوسط لدى الفضل فأشار مطيعا. وفي اليوم التالي ركبا إلى بيت الفضل بن سهل، وكان الفضل قد بلغ أوج سعده بما أوتيه من التوفيق باستقلال المأمون بالخلافة، وبالوصية بها بعده لعلي الرضا، فأصبح الفضل الآمر الناهي تجري إرادته حتى على المأمون. فلما أنبأه الحاجب أن بهزاد وسلمان بالباب أمر بإدخالهما، وكان مجلسه غاصا بأصحاب الحاجات وفيهم الوجهاء والقواد إلا أخوه الحسن لأنه سار إلى بغداد. فلما دخل بهزاد رحب به الفضل ودعاه للجلوس إلى جانبه على السرير، وأشار إلى سلمان فجلس على كرسي بين الخاصة، فأخذ الفضل يسأل بهزاد عن سفره وما شاهده فأخبره أنه قادم من بغداد بعد أن شهد سقوطها فقال له: «وهل كنت فيها يوم مقتل الأمين؟»
قال: «نعم، كنت مع صديقي سلمان وشاهدنا رأس الأمين منصوبا على حائط البستان.» فضحك ضحكة الظافر وقال: «على الباغي تدور الدوائر.»
ثم شغل بقضاء مصالح الناس وسكت بهزاد ريثما ينفض المجلس، ولم يتم ذلك إلا بعد أذان الظهر، فانصرف الناس ولم يبق غير بهزاد وسلمان والفضل.
فنظر بهزاد إلى الفضل وقال: «يسرني أن أروي لك ما أتاه صديقي سلمان من المعجزات في أثناء هذه الوقائع؛ فإنه كان من أكبر العاملين في تنفيذ رغبات ذي الرياستين بعقله وسيفه.» فابتسم الفضل وقال: «سنكافئه بولاية عمل من الأعمال المهمة، أم تراه مثلك لا يرغب في المناصب؟»
فضحك بهزاد وقال: «إذا قلدته عملا فقد أسبغت عليه نعمك، ولكنني أحب أن ينال حظوة أخرى في عينيك يتشرف بها بين الأقران.»
Unknown page