Allah Kawn Insan
الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الافكار الدينية
Genres
فالغنوصية ليست دينا بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بمعنى أنها لم تطور أيديولوجيا دينية وعقائد ثابتة، ولم يكن لها معابد أو كهنة أو كتب مقدسة، وإنما بقيت على شكل طوائف دينية أشبه بالطرق الصوفية الإسلامية التي تتبع كل طريقة منها شيخها. وهذه الطوائف لم تتصارع، ولم يستبعد بعضها بعضا، ولم يعتبر أي منها نفسه قيما وحيدا على الإيمان الغنوصي، وإنما تعاونت وأغنى بعضها بعضا، ووجدت في التنوع إثراء لفكرها المشترك. أما عن مصادرها فيبدو أنها تأثرت بشكل رئيسي بالرسائل الهرمزية، وهي عبارة عن ثلاث عشرة رسالة منسوبة إلى هرمز مثلث العظمة، أو مثلث الحكمة كما يدعى في الغنوصية الإسلامية، وهو شخصية غير تاريخية. وهذه الرسائل كانت متداولة في الحلقات الإيزوتيرية السرانية خلال القرن الأول الميلادي، وهي تركز بشكل خاص على مثنوية الإنسان وانقسامه إلى جسد يمثل كل ما هو مادي ومظلم وفان، وإلى روح تتطابق مع العقل وتمثل كل ما هو نوراني وحقيقي وخالد، وهذه الروح مدعوة دوما من قبل الله المدعو بالأب الكلي للالتحاق بعالمه الروحاني الأعلى، وما على الإنسان سوى الاستجابة إلى دعوة الله من خلال معرفة نفسه. نقرأ في رسالة بيوماندريس على سبيل المثال: «إن من عرف نفسه حصل على الخير الأسمى، أما من أضلته الرغبات وحب الجسد فسوف يتيه في ظلمات عالم الحواس ويذوق الموت ... إن الله أب للجميع، وهو النور والحياة، فإذا عرفت أنك مجبول من النور والحياة فسوف تعود إلى النور والحياة.» (س):
هل يمكننا القول إذن بأن الغنوصية نشأت في وسط وثني ثم انتقلت بعد ذلك إلى المسيحية؟ (ج):
يبدو أن الأمر كذلك؛ فأول غنوصي تذكره المصادر المسيحية التي تصدت لنقد الغنوصية كان سوريا من مدينة السامرة الفلسطينية عندما كانت حافلة بالشيع الدينية، وهو سمعان ماجوس أو سمعان الساحر كما يشار إليه في سفر أعمال الرسل في كتاب العهد الجديد. وقد عاصر سمعان يسوع المسيح وورد ذكره في سفر أعمال الرسل باعتباره ساحرا أدهش الناس بسحره فتبعوه ولقبوه بقوة الله العظمى (أعمال، 8: 9-13). أما عن أفكار سمعان هذا فنعرفها عن طريق المؤلفين المسيحيين الذين تصدوا لنقد الغنوصية؛ فهو يقول، وفق ناقده هيبوليتوس، بأن الله هو قوة أزلية موحدة وغير متمايزة، منغلقة على نفسها في صمت مطلق. ثم إن هذه القوة اتخذت شكلا وانقسمت على نفسها، فظهر العقل
Nous
وهو مذكر، وعن العقل ظهرت الفكرة إينويا/
Enoin
وهي مؤنث. وبعد ذلك أنتجت إينويا قوى ملائكية عملت من خلالهم على صنع العالم المادي، وبذلك انشطرت الألوهة إلى قسم علوي هو عالم الأب الأعلى وهو عالم روحاني، وقسم سفلي هو عالم المادة. ولكن إينويا بعد ذلك فقدت السلطة على القوى التي نتجت عنها وصارت أسيرة لها ولا تستطيع الرجوع إلى الآب. ثم ظهر سمعان ماجوس كتجسيد لله على الأرض لكي يحرر إينويا من قيودها، ويقدم الخلاص من العالم المادي لكل من يتعرف عليه بصفته هذه من البشر. وقد كان لسمعان عدد من التلامذة السوريين أشهرهم دوتيسيوس وميناندر. (س):
نلاحظ هنا ظهور فكرة جديدة على العقائد الشرق أوسطية وهي عدم مسئولية الله عن خلق العالم، واضطلاع ألوهة أخرى بهذه المهمة، فما مبعث هذه الفكرة؟ (ج):
العالم المادي نقيض الله؛ فالله كمال والمادة نقص، والله خير مطلق والشر يعشعش في نسيج المادة، والله نور صاف والمادة كثيفة كتيمة، والله أزلي أبدي والمادة مخلوقة ثم فانية؛ ولذلك لا يمكن أن يكون العالم قد نتج عن الله إلا من خلال وسائط. (س):
وهل فكرة الفصل بين الله المتعالي عن المادة والإله الخالق هي فكرة مشتركة بين الطوائف الغنوصية كلها؟ (ج):
Unknown page