Alghaz Tarikhiyya Muhayyara
ألغاز تاريخية محيرة: بحث مثير في أكثر الأحداث غموضا على مر الزمن
Genres
كانت نجاة إزماي من حادث تحطم السفينة في حد ذاتها مدعاة للحرج؛ إذ كان ذلك في عصر لا يزال يأخذ فكرة «الأطفال والنساء أولا» بجدية شديدة. ولما كان أكثر من 150 سيدة وطفلا قد لقوا حتفهم على متن تيتانيك (إلى جانب أكثر من 1300 رجل)، فقد شعر كثيرون أن إزماي، شأنه شأن سميث، كان لا بد أن يغرق مع السفينة، أو على الأقل لم يكن ينبغي أن يقفز على أي من قوارب النجاة حتى يتأكد من عدم وجود أي سيدات أو أطفال آخرين على متن تيتانيك. ولكن إزماي على الأقل كانت لديه فرصة لإنكار الاتهامات التي وجهت إليه بالتأثير بأي شكل على قرارات سميث، ولم يجده مجلس الشيوخ ولا جلسة الاستماع المنعقدة بالمجلس البريطاني للتجارة مدانا بأي شيء سوى كونه واحدا من الناجين المحظوظين.
وإذا كانت الشركة قد أفلتت بسهولة، من وجهة نظر مناصري لورد، فقد كان مجلس التجارة أوفر حظا. كان مجلس التجارة قد حدد عدد قوارب النجاة اللازمة لأية سفينة بمعادلة قائمة على وزن السفينة؛ ومالكو تيتانيك تجاوزوا شروط المجلس بوضع 14 قارب نجاة عاديا و4 قوارب قابلة للطي على متن السفينة. وكان بإمكان هذه القوارب الثمانية عشر أن تسع 1178 شخصا إجمالا. غير أن تيتانيك نفسها كان بإمكانها حمل أكثر من 3500 شخص، وكان هناك أكثر من 2100 شخص على متنها في باكورة رحلاتها.
وأيا ما كان الشيء أو الشخص الذي يتحمل المسئولية آنذاك، فقد كان واضحا أن لوائح المجلس التي عفى عليها الزمن بشكل صارخ، كانت مسئولة أيضا. علاوة على ذلك، كان تفويض الوكالة بالتحقيق يهدف إلى زيادة مصالح الملاحة البريطانية، وكانت وايت ستار لاين ضمن أقوى أعضائها؛ لذا لم يكن من المستغرب أن يستشيط أنصار لورد غضبا من أن هذه الوكالة هي المفوضة بالحكم على قبطان كاليفورنيان.
ولكن إنصافا لكل من مجلس التجارة ولجنة السيناتور سميث الفرعية، لم تكن جلستا الاستماع البريطانية أو الأمريكية هي التمويه الذي ادعاه أنصار لورد. فكلتا الجلستين قامت بفحص أخطاء سميث، ووايت ستار لاين، واللوائح. وعلى الرغم من أن هذه الأخطاء لم يسلط عليها الضوء بالجرأة البالغة التي سلط بها الضوء على أخطاء القبطان لورد، فلم يتم التستر على أي منها، بل إن كلتا الحكومتين الأمريكية والبريطانية قد سارعت إلى تمرير تشريع جديد يلزم السفن بحمل ما يكفي من قوارب النجاة لتسع كل الركاب وأفراد الطاقم. كذلك كان لمأساة تيتانيك - بالأخص صورة سيريل إيفنز وهو نائم في سرير المبيت الخاص به في حين كانت تيتانيك تغرق على مقربة منه - دورها في إقناع كلتا الحكومتين أيضا بالمطالبة بتوفير مراقبة للراديو على مدى الأربع والعشرين ساعة.
كانت هذه التغييرات جيدة بلا شك للسلامة الملاحية، ولكنها لم تفعل شيئا لستانلي لورد. وبعد فصله من قبل مالكي كاليفورنيان، ظل يدعي أن السفينة التي شوهدت من كاليفورنيان لم تكن تيتانيك، وأن السفينة التي شوهدت من تيتانيك لم تكن كاليفورنيان. •••
توفي لورد في عام 1962، وهو نفس العام الذي تمكن فيه أوفى المدافعين عنه، ليسلي هاريسون، من تحديد ما كان يعتقد أنها السفينة الغامضة التي شوهدت من كل من تيتانيك وكاليفورنيان في تلك الليلة.
كان هاريسون السكرتير العام لجمعية خدمات البحرية التجارية، التي كانت تمثل قباطنة السفن وتناصر قضية لورد. وكانت السفينة الغامضة، بحسب هاريسون، هي زورق صيد أيسلندي يدعى سامسون. وكدليل على صحة كلامه، قدم هاريسون ما زعم أنه جريدة قديمة اعترف فيها أحد أفراد طاقم سامسون بأن سامسون كانت بين تيتانيك وكاليفورنيان. وقد خشيت سامسون، التي كانت تصطاد الفقمات بما يخالف القانون، أن تضبطها تيتانيك أو كاليفورنيان بما عليها من بضائع؛ لذا أسرعت بعيدا عن كلتيهما بأسرع ما يمكن.
غير أن حجة هاريسون ضعفت حين رصد محققون آخرون وجود سامسون في أيسلندا في يومي 6 أبريل و20 أبريل. وكان من المستحيل لقارب صغير بهذا الشكل أن يقوم برحلة لمسافة ثلاثة آلاف ميل عبر الأطلسي ويعود في أربعة عشر يوما فقط.
ظن أنصار لورد أنهم قد استراحوا أخيرا في عام 1985، حين تحدد مكان حطام تيتانيك بفضل جهود أمريكية وفرنسية مشتركة بقيادة عالم المحيطات روبرت بالارد؛ إذ تبين أن السفينة كانت أبعد تجاه الشرق مما أوضحت إحداثيات آخر نداء استغاثة أصدرته؛ ما وضع تيتانيك على بعد قرابة واحد وعشرين ميلا من موقع كاليفورنيان المحدد بسجل الرحلة في تلك الليلة؛ وهو ما يعد أبعد من أن يراه لورد أو ضباطه. ولكن إذا كانت تيتانيك قد انجرفت شرق المكان الذي ظن ضباطها أنها متواجدة به، حسبما أشار بالارد، فعلى الأرجح أن يكون قد حدث الشيء نفسه لكاليفورنيان؛ ما يجعل كلتيهما مرة أخرى على مرأى إحداهما من الأخرى.
وقد حث اكتشاف تيتانيك، إلى جانب ضغط هاريسون بإصرار، وزارة النقل البريطانية في النهاية على إعادة فتح القضية. وحمل تقرير الوزارة، الصادر في عام 1992، تبرئة جزئية للورد. فقد خلص إلى أن كاليفورنيان كانت على الأرجح على بعد سبعة عشر إلى عشرين ميلا من تيتانيك، فيما يعتبر مسافة بعيدة للغاية يتعذر معها رؤية السفينة الغارقة وقد يتعذر معها أيضا الوصول إليها في الوقت المناسب، حتى لو كان لورد قد بدأ الانطلاق في الحال بعد رصد أول صاروخ.
Unknown page