وهنالك موروثات إسلامية وهندية تتحدث عن نجاة يسوع من الصلب وسفره إلى الهند؛ حيث قضى ما تبقى من عمره في منطقة كشمير ودفن هناك. وقد كان لا بد من شيوع مثل هذه القصص استنادا إلى أن القرآن الكريم نفى أن يكون عيسى المسيح قد مات قتلا أو صلبا على يد اليهود، على ما ورد في سورة النساء:
وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما * وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (النساء: 155-159). وما يمكن لنا أن نفهمه من هذا المقطع الذي اختلف فيه المفسرون إلى يوم الناس هذا دون أن يصلوا إلى اتفاق، هو أن اليهود لم يكونوا متيقنين من قتل يسوع (وما قتلوه يقينا) ولكن اشتبه عليهم موته (ولكن شبه لهم). أما عن رفع عيسى إلى السماء فقد حصل بعد نجاته من اليهود واستيفائه أجله الطبيعي، على ما نفهم من قوله تعالى في سورة آل عمران:
يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة (آل عمران 55). أي إن رفع عيسى إلى السماء قد حصل بعد وفاته عندما حان أجله، وهذا الرفع كان رفعا روحانيا لا جسديا. وإذا كان القرآن قد تحدث عن عودة عيسى في آخر الزمان كإحدى علامات يوم القيامة، فإنه يتحدث عنه باعتباره أول المبعوثين من القبر في قيامة الموتى العامة.
وتقول هذه الموروثات الهندية والإسلامية إن عيسى قد دفن في مدينة سري نكار بولاية كشمير في شمال الهند، وقبره قائم إلى اليوم ويدعى من قبل السكان المحليين بمزار يوز آسف نبي الله، وهو واقع في محلة للمسلمين لا يسكنها الهنود وليس لهم فيها مقابر. وتقول الأخبار المتداولة بين هؤلاء المسلمين الذي يعظمون القبر ويزورونه، إنه يضم رفات النبي يوز (= يسوع) الذي جاء إلى كشمير قبل البعثة المحمدية بستمائة سنة ، وهذه هي الفترة الزمنية الفاصلة بين حياة عيسى وحياة نبي الإسلام.
3
بولس النبي
أضواء على شخصيته وحياته
يعتبر بولس الشخصية الأكثر توثيقا والأكثر إشكالية في كتاب العهد الجديد، وتعتبر رسائله الأربع عشرة التي دونت بين عام 51 وعام 65م بمثابة الأساس الذي قام عليه الهيكل السامق للاهوت المسيحي. وبدون هذه الرسائل ربما كانت المسيحية ستغدو عقيدة مختلفة تماما عما هي عليه الآن. وهناك اتفاق بين الباحثين اليوم على اعتبار رسالته المعنونة «إلى العبرانيين» رسالة منحولة، كما يشك البعض في أصالة عدد آخر من الرسائل المنسوبة إليه. ولكن هذه الرسائل المشكوك في أصالتها تنسج على منوال الفكر البولسي نفسه، وتشكل امتدادا لتعاليمه التي بسطها في بقية الرسائل المتفق على أصالتها والتي تزيد عن نصف مجموع الرسائل.
وعلى الرغم من أنه لم يعرف يسوع بالجسد ولم يلتق به في حياته، إلا أنه اعتبر نفسه رسولا، بل فوق بقية الرسل، لأنه تلقى البشارة وحيا من يسوع المسيح القائم من بين الأموات، من يسوع السماوي الجالس عن يمين الآب: «فأذكركم أيها الإخوة، أن البشارة التي بشرتكم بها ليست على سنة البشر، لأني ما تلقيتها ولا أخذتها عن إنسان بل عن وحي من يسوع المسيح» (غلاطية، 1: 11-12). فهو رسول مختار من يسوع ومن الله في آن معا: «من بولس. وهو رسول، لا من قبل الناس ولا باختيار إنسان بل باختيار يسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من بين الأموات» (غلاطية، 1: 1). «من بولس الذي شاء الله أن يدعوه ليكون رسول المسيح يسوع» (1 كورنثة: 1). «من بولس رسول المسيح يسوع بمشيئة الله» (2 كورنثة: 1). «ألست رسولا؟ أو ما رأيت ربنا يسوع؟» (1 كورنثة، 9: 1).
هذه المواجهة مع المسيح ينقلها لنا سفر أعمال الرسل على لسان بولس نفسه: «وإني لسائر وقد اقتربت من دمشق، إذا نور من السماء قد سطع حولي عند الظهر، فسقطت إلى الأرض وسمعت هاتفا يقول لي: شاؤل، شاؤل، لماذا تضطهدني؟ فقلت: من أنت سيدي؟ قال: أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده. وكان رفقائي يرون النور ولا يسمعون صوت من يخاطبني . فقلت: سيدي، ماذا أعمل؟ فقال لي الرب: هلم فاذهب إلى دمشق تخبر فيها بما قضي عليك بأن تعمل» (أعمال، 22: 6-10). بعد ذلك جرى اقتياد بولس إلى دمشق وقد فقد بصره من شدة الضوء الذي سطع أمامه، وهناك جاءه حنانيا زعيم الجماعة المسيحية فيها وقال له: أبصر فأبصر. وقال له: «إن إله آبائنا قد اختارك بسابق علمه لتعرف مشيئته وترى البار (= يسوع) وتسمع الدعوة من فمه، فإنك ستكون شاهدا له لدى جميع الناس بما رأيت وسمعت، فما لك تتلكأ؟» (أعمال، 22: 10-16). بعد ذلك رجع بولس إلى أورشليم ولكنه لم يجتمع بأحد من الرسل. وبينما هو يصلي غاب عن الحس وسمع صوت يسوع المسيح يقول له: «هلم فاخرج من أورشليم لأنهم لن يقبلوا شهادتك لي ... اذهب إني مرسلك إلى مكان بعيد إلى الوثنيين» (أعمال، 22: 17-21).
Unknown page