Adabiyyat Lugha Carabiyya
أدبيات اللغة العربية
Genres
في عصر العباسيين توجهت العناية إلى تجويد الخط وتحسينه، وخالفت أوضاعه في بغداد أوضاعه في الكوفة في الميل إلى إجادة الرسوم وجمال الشكل. واخترعت الأقلام المختلفة، فظهر قلم الثلث والثلثين والنصف نظرا لاستقامة ثلث الحروف أو ثلثيها أو نصفها، وغير ذلك من الأقلام الأخرى. واستمر الخط آخذا في الارتقاء والجودة حتى ظهر ببغداد الوزير الكاتب أبو علي محمد بن علي بن مقلة، المتوفى سنة 328، واخترع نوعا من الخط سمي بالخط البديع، وقد اشتهر بين الكتاب أن هذا الخط البديع هو خط النسخ الشائع اليوم، نقله ابن مقلة على الخط الكوفي، ونفى ذلك بعض الباحثين مستدلين بوجود خط النسخ قبل زمن ابن مقلة، كما شاهدوا ذلك في بعض الصحف والرسائل التي كتبت قبل ابن مقلة. والظاهر أن ابن مقلة لم يخترع خط النسخ اختراعا، ولكنه تصرف فيه تصرفا بديعا، ونقله إلى صورة امتاز بها عن أصله في الجودة والحسن، وهذا مقام لا يزال محتاجا إلى البحث والتحقيق. وكان ابن مقلة يضرب به المثل في حسن الخط، وتلاه في ذلك أبو الحسن علي بن هلال الكاتب الشهير المتوفى سنة 423، وقد أقر له أهل زمنه بالسابقة وعدم المشاركة في حسن الخط، وهو الذي هذب الخط العربي ونقحه بعد ابن مقلة.
ثم إن الخط الكوفي أهمل بتوالي الأيام وحل محله خط النسخ. وقد تفنن الترك في تحسين الخط وتنويعه، فاخترعوا خط التعليق، والرقعة، وأوصلوا النسخ والثلث إلى أقصى درجات الحسن والإتقان كما هو مشاهد الآن.
والخط العربي منتشر في البلاد الإسلامية كلها، تكتب به العربية، والتركية، والفارسية، والأفغانية، ولسان أردو بالهند، ولسان الملايو بجزيرة جاوة وما حولها.
العلوم والمعارف
قد اعتنى الخلفاء والعلماء في عصر الدولة العباسية بتدوين العلوم الإسلامية، فوضعوا أصول الفقه، وصنفوا في فروعه واستنبطوا أحكامه، ودونوا الأحاديث النبوية، وتفسير القرآن الكريم، وعلوم العربية، واستخرجت علوم البلاغة، ووضعت لها القوانين والشواهد، ووضع العروض، وحصرت أوزان الشعر العربية في دوائرها الخمس. وألفوا وترجموا كتبا في الطب والهيئة والهندسة وسائر العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفية وتقويم البلدان والتاريخ العام وتاريخ الأشخاص.
واعتنوا باللغة وضبطها، وتصرفوا فيما ترجموه فنقحوا وهذبوا وزادوا واستنبطوا وأصلحوا كثيرا من أغلاطه. وقد وسعت اللغة العربية كل العلوم التي ألفت بها أو نقلت إليها، ولم يدخل من الألفاظ الأعجمية إلا شيء يسير، وأكثر ما وقع ذلك في الكتب التي عربها بعض من لا يحسنون العربية. وتفصيل الكلام على هذه العلوم واشتغال المسلمين بها وعنايتهم بتهذيب ما ترجموه منها وجعله صالحا لأن ينتفع به؛ كل ذلك يحتاج إلى تأليف الأسفار الكبار ليوفى حقه من البحث والشرح.
غير أنا ذاكرون مختصرا وجيزا مناسبا للمقام مقتطفا مما كتبه كبار مؤرخي المسلمين ومحققو المؤرخين من الإفرنج المنصفين وأفاضل الكتاب المعاصرين؛ في مآثر العرب وعلومهم ومعارفهم وما لهم من الفضل على العالم كله في ذلك كله، مازجين أحيانا كلامهم بعضه ببعض أو مصرحين بنسبة القول إلى قائله حسب اقتضاء المقام ذلك، فنقول:
أول من اعتنى بالعلوم وتدوينها من الخلفاء العباسيين أبو جعفر المنصور، وقد أخذ في إنشاء المدارس للطب وللشريعة، وكان مع براعته في الفقه وفرط شغفه به قد جعل جزءا من زمنه خاصا بتعلم العلوم الفلكية، وترجم في زمنه كتاب أوقليدس في الهندسة والهيئة والحساب.
وأكمل حفيده الرشيد ما شرع فيه، وأمر بأن يلحق بكل مسجد مدرسة لتعليم العلوم وأنواعها، وكان باذلا جهده في إحياء العلوم والآداب ونشرها، وكتب في أيامه مصنفات كثيرة في العلوم الإسلامية وغيرها مما ترجم عن اليونانية، ومن ذلك كتاب «المجسطي» الذي ألفه بطليموس في الرياضة السماوية، وقيل: إن هذا الكتاب ترجم في زمن المأمون بأمره.
وكان المترجمون قوما من السريان غير مسلمين، وقد أحسن الخلفاء صلتهم، وأفاضوا عليهم النعم، وكان أكثرهم غير متمكن من العلوم التي نقلوها إلى العربية فوقع فيها الغلط الكثير، فصححه بعد ذلك الراسخون في العلم من العرب في عصر المأمون وما بعده، كما صححوا كثيرا من غلط اليونانيين أنفسهم.
Unknown page