ولكن لماذا لا يسمح للسجناء بحقهم في إجراء مكالمة تليفونية؟ من أي زاوية عالج هذه المسألة لم يستطع إدراك منطق حظر المكالمات، ربما كان من المرهق أن يصاحب الحراس السجناء إلى داخل المحطة لإجراء المكالمات، ولكن ألن تؤدي المكالمات في النهاية إلى تخليص السجن من بعض السجناء على الأقل؟ وقال في نفسه إن أي سجن تابع للبلدية يتوقع مغادرة كثير من نزلائه في غضون يوم أو يومين، إما بأخذ تعهد من السجين، وإما بإسقاط التهمة الموجهة إليه، وإما بسبب أي نتيجة تنتهي إليها المكالمات التي يجريها مرتكبو الجرائم الطفيفة.
إذن فإن حظر المكالمات التليفونية كان عقابا محضا، تماما مثل رش الرجل الطفل برذاذ الفلفل؛ إذ كان ذلك ثمرة لمزيج من الفرصة المتاحة، والقسوة، والغموض، واللهو. لم يكن يرى فائدة في ذلك، مثلما لم ير فائدة في منع جميع السجناء من الاتصال بالعالم الخارجي.
وقال في نفسه: «أوه يا كاثي! أنا في غاية الأسف! ويا زخاري ونديمة وعائشة وصفية كم أشعر بالحزن هذه الليلة لعدم وجودي معكم!»
كان معظم السجناء نائمين بحلول الساعة الثانية أو الثالثة صباحا، وكان الساهرون مع زيتون صامتين. ورفض زيتون من جديد أن ينام على الأرض، ولم يقتنص إلا لحظات عابرة من الراحة بالاستلقاء فوق الهيكل الفولاذي.
كان يعرف أن تلك الظروف قد بدأت تضر بحالته النفسية أضرارا حقيقية، لم يكن يشعر حتى الآن إلا بالغضب، ولكن تفكيره كان صافيا، وأما الآن فقد أصبحت الروابط المنطقية هزيلة إلى حد أكبر؛ إذ بدأت تعتاده أفكار شاردة عن الفرار، وبدأ يتساءل إن كان من الممكن أن يتعرض لأمر بالغ السوء هنا، وظل طول الليل يفكر في الرجل الطفل ويسمع صرخاته، وكان لا بد أن يهب في أي ظروف عادية للدفاع عن رجل تعرض لمثل ما تعرض له ذلك الشاب من الظلم، ولكن إرغامه على أن يشهد، بلا حول ولا طول، ما يحدث، مدركا ما في ذلك من خسة، كان يعتبر عقابا له ولغيره من السجناء أيضا، كان ذلك ينتقص من إنسانيتهم كلهم.
الخميس 8 من سبتمبر
استيقظ زيتون على صرخات وشتائم، كان قد تمكن بطريقة ما من النعاس في الهزيع الأخير من الليل، أثناء استلقائه على الهيكل الفولاذي، ووقف فشاهد الحراس منهمكين في رش عدد أكبر من السجناء برذاذ الفلفل على امتداد صف الأقفاص كله.
ولكن الحراس كانوا يرشون رذاذ الفلفل الآن بخراطيمهم من خلال السور، لم يعودوا يبذلون الجهد اللازم لإخراج السجناء من أقفاصهم، فانخفضت الجرعة التي تصيب كل فرد، ولكن الرذاذ انتشر في أرجاء المجمع كله. وهكذا، فبعد أن صلى زيتون وناصر، شاركا باقي السجناء في حماية عيونهم وأفواههم من الرذاذ بقمصانهم، مع السعال المستمر لإخراج ذلك السم من حلوقهم.
وأصبح الجرح الذي أحدثته الشظية في قدم زيتون ملوثا، وكان لونه قد تغير أثناء الليل فغدا ذا زرقة دكناء، ولم يستطع تحميل أي ثقل عليه، كان قد رأى كيف يتجاهل الذين يعملون لديه مثل هذه الجروح؛ إذ كان معظمهم غير مشترك في التأمينات الاجتماعية ويخشى التسجيل في أي مستشفى، كانت كسور الأصابع لا تجبر والجروح الفظيعة لا تعالج، وهو ما كان يؤدي إلى الإصابة بشتى الأمراض، ولم يكن زيتون يعلم نوع الشظية التي دخلت تحت بشرته، لكنه كان متأكدا من ضرورة إخراجها بأسرع وقت ممكن، لم يكن يحتاج إلا إلى لحظة من الرعاية، وإلى إبرة معقمة، أو حتى إلى سكين، كان في حاجة إلى أداة يحفر بها باطن القدم لإخراج ما دخل فيه، مهما يكن.
كان الألم مبرحا، وحاول رفقاء زيتون في القفص مساعدته والتوصل إلى حل ما، أي إلى أي شيء ذي طرف حاد يمكن استخدامه، ولكن لم يكن لدى أي أحد شيء ولو كان مجموعة مفاتيح.
অজানা পৃষ্ঠা