وسطية الإسلام

وسطية الإسلام

প্রকাশক

الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات

জনগুলি
Islamic thought
•
অঞ্চলগুলি
চীন
وسطية الإسلام إعداد
صالح حبيب الله (تشي شيوه ي)
الصيني
بسم الله الرحمن الرحيم مفهوم الوسطية الإسلامية الأساسي لقد تميزت الأمة الإسلامية بخاصية منفردة لم تكن لأمة من الأمم السابقة وهي ميزة الوسطية التي جعلها الله ﷾ خصيصة لأمة محمد ﷺ في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: ١٤٣) .
ولفظ " وسطا " يعبر عن معنى جديد في الأديان وخلق سام في الدين الإسلامي (١) .
وقد وردت كلمة الوسط ومشتقاتها في ذات المعنى تقريبا مرات عديدة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (سورة البقرة: ٢٣٨) .

(١) لسان العرب، ابن منظور، مادة: وسط.

1 / 1

ومن تفاسير هذه الآية أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة العصر لأنها واقعة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل. وقوله - تعالى - في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (سورة المائدة: ٨٩) .
يفسر العلماء " أوسط الطعام " هنا بأنه لا مغالاة في جودته أو في رداءته، وكذلك في ثمنه ما بين غلو في الارتفاع أو نزول في الانخفاض.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (سورة القلم:٢٨) .
وأوسطهم أى: أعدلهم، ولفط الوسط لغة بمعنى أنه ما يكون بين طرفين، وسط الشيء ما بين طرفيه وأعدله (١) . والتوسط بين النقيضين، والأوسط بمعنى الاعتدال والأبعد عن الغلو، وكذلك يأتي بمعنى الأفضل، إذ الوسط بطبيعة الحال محمي من العوارض والآفات التي تأتي أطراف الشيء. ويستعمل الوسط في الفضائل ثم صار الوسط وصفا للمتصف بالفضائل. . . يقال: رجل وسط وأمة وسط.

(١) أصول المجتمع الإسلامية، د جمال الدين محمد محمود، ص ١٧٠، الناشرون: دار الكتاب المصري - القاهرة، دار الكتاب اللبناني - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢هـ / ١٩٩٢م.

1 / 2

ويقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هنا الخيار والأجود. . . ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب (١) .
ومعنى الأمة الوسط أنها أفضل الأمم وأعدلها وأكملها وأبعدها عن الغلو، فمثل هذه الأمة تحميها وسطيتها مما يلحق بأخواتها - إذا جانبت الوسطية- من النقائص والعيوب من جميع النواحي (٢) .
ولن نعني بوسطية الإسلام أو وسطية الأمة الإسلامية وسطية تاريخية ولا جغرافية ولا ثقافية ولا عرقية لأن معيار الصلاح والتقوى هو المقياس الذي وضعه الإسلام منهجًا تقاس به أفضلية الأمم والأفراد وكمالها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: ١٣) .

(١) تفسير القرآن العظيم، الحافظ ابن كثير، المجلد الأول، ص ١٨١، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ / ١٩٨٨م، دار الحديث - القاهرة.
(٢) أصول المجتمع الإسلامي، د جمال الدين محمد محمود، ص ١٧١.

1 / 3

والأمة الإسلامية لكونها أمة وسطًا وسط لها مسؤولية ربانية مكلفة بأن تحمل أكمل منهج وأقومه في العقيدة والأخلاق والتشريع إلى بقية المجتمعات الإنسانية، مكلفة بدعوة الأمم الأخرى إلى الصراط المستقيم، منهج الله الذي يضمن للإنسان والمجتمع الحق والخير ويحقق له السعادة.
وذلك بالأساليب والطرق الحكيمة الرشيدة التي أرشدها الله ﷾ في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (سورة النحل: ١٢٥) .
وكذلك بالقدوة بأن يصبح المجتمع الإسلامي مجتمعا سليما يحقق لأهله وللبشر جميعا الحق والخير والسعادة والاستقرار، خصوصا في الأوقات والظروف التي يزداد فيها الانحراف والبعد عن المنهج الرباني ويكثر فيها العنف والتطرف وتشويه صورة الإسلام الحقيقية والنيل منه (١) .

(١) المرجع السابق ص ١٧٤.

1 / 4

ولله در القائل: ضاع هذا الدين (أي الإسلام) بين الغالي فيه والجافي عنه، هذه المقولة تفصح عن خطورة الابتعاد عن الوسطية التي هي أبرز سمات الأمة الإسلامية، الإسلام وسط فلا إفراط ولا تفريط، وسط فلا طغيان ولا نقصان، وسط فلا تشدد ولا ترخص، وسط بين رعاية حقوق الفرد على حساب الجماعة، أو العناية بمصالح الجماعة على حساب الفرد، فالوسطية تعنب العدل، فلا يظلم جانب على حساب جانب آخر، والوسطية تعني التوازن فلا يختل أمر على حساب آخر (١) ويريد الله ﷾ للمسلمين أن يحملوا للعالم رسالة الحب والخير والعدل لتحقيق وسطية هذه الأمة، وكذلك يريد منهم أن يزيلوا الظلم والطغيان، فلم يحمل المسلمون السيف في وجه الجاهلية إلا لأنها طغت وتجبرت ووقفت في وجه الدعوة الإسلامية، ولم يشن المسلمون حربهم ضد الفرس والرومان والغدر اليهودي إلا بتجنيهم على القيم الإنسانية العالية التي يعتز بها بنو البشر (٢) .
فالإسلام دين وسط واسع الأفق قابل لكل تجديد في سبيل الرقي والتقدم والبناء ويرفض الجمود والتعصب والعنف والهدم.

(١) مقومات الداعية الناجح، د علي بن عمر بن أحمد بادحدح، ص ٢٢٦، الطبعة الرابعة ١٤٢٢هـ / ٢٠٠٢م. دار الأندلس الخضراء - جدة.
(٢) الإسلامية والقوى المضادة، د نجيب الكيلانى، ص ٨٧- ٨٨، الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م، مؤسسة الرسالة - بيروت.

1 / 5

فوسطية الإسلام تسعى إلى تحقيق منهج في الحياة لإيجاد التوازن في حياة الإنسان الروحية والمادية وفق فطرة الله التي فطر الناس عليها، منهج يلتقي فيه عالم الشهادة بعالم الغيب، لأن الإسلام دين عقيدة ترتكز على المادة والروح معا.
فتلك وسطية اكتملت أصولها في حياة الرسول ﷺ كما رسمها القرآن الكريم، ولم تحدث ظاهرة زيادة شيء جديد لها من بعد، وليس فيها سر ولا نقصان ولا ما يصدم العقل أو العلم أو الفطرة. فالوسطية مزية فريدة للإسلام حتى يطمع كثير من الناس أن تحقق للبشرية عملا مهمًا، يقول هاملتون جب: أؤمن بأن الإسلام لا تزال له رسالة يؤديها إلى الإنسانية جمعاء حيث يقف وسطا بين الشرق والغرب، وإنه أثبت أكثر مما أثبت أي نظام سواه مقدرة على التوفيق والتأليف بين الأجناس المختلفة، فإذا لم يكن بدّ من وسيط يسوي ما بين الشرق والغرب من نزاع وخصام فهذا الوسيط هو الإسلام (١)

(١) عالمية الإسلام، أنور الجندى، ص ٣٧، دار الاعتصام.

1 / 6

مضامين الوسطية الإسلامية فوسطية الإسلام تستلزم الابتعاد عن الإفراط والتفريط في كل شيء، لأن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط، وكل من الإفراط والتفريط خروج عن جادة الطريق.
فوسطية الإسلام تقتضى إيجاد شخصية إسلامية متزنة تقتدي بالسلف الصالح في شمول فهمهم واعتدال منهجهم وسلامة سلوكهم من الإفراط والتفريط، والتحذير من الشطط في أي جانب من جوانب الدين، والتأكيد على النظرة المعتدلة المنصفة والموقف المتزن من المؤسسات والأشخاص في الجرح والتعديل (١) .
فوسطية الإسلام تلزم الأمة الإسلامية بمقاومة الغلو والتطرف في الدين، ورد الغلاة إلى منهج الاعتدال والحكمة، ورعاية حقوق نفسه وحقوق غيره، وحينما نتحدث عن وسطية الإسلام يتبادر إلى أذهاننا ما يقابلها من كلمة سائدة على ألسنة الناس اليوم وهي التطرف الديني، فالإسلام يدعو إلى الوسطية ويحذر من التطرف بجميع صوره وأشكاله.
وقد ألف فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي كتابا في هذا الصدد تحت عنوان: " الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف "، وبين فيه حقيقة التطرف وأسبابه وسبل العلاج منه، وسنذكر نبذة ملخصة مما قال.

(١) الرائد دروس في التربية والدعوة، الشيخ مازن بن عبد الكريم الفريح، الجزء الثاني، ص ٩-١٠. الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م، دار الأندلس الخضراء - جدة.

1 / 7

فالنصوص الإسلامية تدعو إلى الاعتدال وتحذر من التطرف، وتعبر عنه بعدة ألفاظ منها: الغلو والتنطع والتشديد، فمن خلال تلك النصوص أصبح من الواضح الجلي أن الإسلام ينفر أشد النفور من هذا الغلو ويحذر منه أشد التحذير.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (سورة المائدة ٧٧) .
وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (سورة النساء: ١٧١) .
- عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين» (١) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال.
- عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ: «" هلك المتنطعون " قالها ثلاثا» (٢) .
أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. "

(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، حديث رقم (١٨٥١)، صححه ابن حبان (٣٨٧١) والحاكم (١ / ٤٦٦)، وابن خزيمة (٢٨٦٧، ٢٨٦٨) قال الألبانى: صحيح. (ابن ماجه: ٣٠٢٩، النسائي: ٥ / ٢٦٨، ٢٦٩) .
(٢) أخرجه مسلم في كتاب العلم - باب هلك المتنطعون: حديث رقم (٢٦٧٠) .

1 / 8

- عن أنس بن مالك ان رسول الله ﷺ يقول: «لاتشددوا على أنفسكم، فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم. . .»
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (سورة الأعراف: ٣١- ٣٢) .
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة المائدة:٨٧) .
وقد اتضح من النصوص الشرعية المذكورة وغيرها أن الإسلام منهج وسط في كل شيء، في التصور والاعتقاد والتعبد والتنسك والأخلاق والسلوك والمعاملة والتشريع، وينهى عن الغلو والتطرف.

1 / 9

ولكن يجب علينا أن نفهم فهما صحيحًا ما معنى التطرف الديني؟
وما المقصود به الآن؟ ومتى يكون المرء متطرفا دينيا؟
فكلمة " التطرف الديني " أصبحت تشغل بال الغيورين على هذه الأمة، وما يدبر لها من مكائد الأعداء خاصة من صنع أعداء الإسلام الذين يعمدون إلى بعض المظاهر الشاذة فيضعونها تحت المجاهر ويوجهون إليها الأنظار ويغرون بها الحكام والمنفذين بهدف إيجاد حالة من الرعب والإرهاب الفكري لشل حركة الدعوة إلى الله والتشكيك بوسائلها، وأصبحت هي كلمة حق أُريد بها باطل، ويعدون مجرد الالتزام بأوامر الله ونواهيه تطرفا دينيا. وكثير ممن غزته الأفكار والتقاليد الأجنبية يرى الذين يتمسكون بآداب الإسلام في المأكل والمشرب والملبس والزينة ونحوها غاية في التطرف والتعصب. وحتى هناك من يعد إطلاق اللحية من الفتى أو التزام الحجاب من الفتاة تطرفًا في الدين.
وقد فصل فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بعض مظاهر التطرف، منها:
١. التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الأخر.
٢. إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله به.
٣. التشديد في غير محله.
٤. الغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة في الدعوة.

1 / 10