তুহফাত আসমা
تحفة الأسماع والأبصار
ولما عرف ما جرى لهم مع من مضى من أهل زمانهم وما طبق الأرض في تلك المدة السابقة من الجور والعدوان والتظالم والبغي في الأرض بغير الحق، وعدم جري أكثر الأحكام على مجرى الشريعة المطهرة، بل تعطلت وصار أمراء تلك الأيام آمرين ناهين، على مقتضى أهوائهم[144/ب] وموافقة أغراضهم وعرف المتأخرون من الأئمة أنه لا ينصر الدين، ولا تنفذ أحكام رب العالمين إلا بمال يتألف به من لابد من معونته ونصرته، أو تشد به خلة من أحوج إلى سد خلته ووجدوا أهل هذا العصر على هذا، ورأوا أن تلك الطريقة التي سلكها السلف الصالح وإن كانت هي المنهج السوي والهدى النبوي، لكن لفساد أهل هذه العصور الفساد الزايد عن حد الاعتبار، الذي يعلم بطريق الاستدلال بمن مضى أن السالك له من المتأخرين لا يتبعه فيه متبع ولا يعضده عليه ناصر، إن فرض على القلة لم يتمكن بذلك من تنفيذ حكم فذ، ولا أمر بمعروف فذ إلا قدر ما يتمكن منه الأحاد، بل ربما أدى ذلك إلى سفك الدماء وأخذ ظلامات، ولحوق تبعات، فيكون السالك هذا المسلك كالمسبب لإثارة الفتنة، فاستحسن المتأخرون من الأئمة أن يسلكوا مسالك وإن كان ظاهرها اتباع أئمة الجور في القوانين المعروفة والفرق والضيافات، ونحوها مما ضاهوا فيه سيرة الظلمة وما ذاك إلا لتحصيل ما يتألفون به الأجناد، أو يسدون به خلتهم لقصور الحقوق الواجبة عن القيام بكفايتهم لاستغراقها لمصارفها، بل ربما ضاقت عن أهلها فقرروا تلك الأحوال لهذا المقصد، يقمعون به أهل الفساد ويسدون به الثغور، ويحفظون به الطرقات، حتى يتمكن لهم الوطأة من إمضاء الأحكام الشرعية، والنهي عن المنكرات الظاهرة والخفية، ولأن الأموال التي تختص المجاهدين، وتقوم بكفايتهم لم توجد في هذه العصور فقد كان الصحابة (رضي الله عنهم) ومن بعدهم يجاهدون كفارا، ويغنمون غنايم تكافيهم وهذه الأزمنة قد انتشر بحمد الله الإسلام، وعز زاده الله قوة وعزا، لم يبق للمجاهدين من وجهة ما يسد خلتهم، ففرض الأئمة لهم هذا الفرض والقانون في أموال المسلمين لسد خلتهم أو لتألفهم لدفع المفسدة التي تولد من خذلانهم، وقد ذكر نحو هذا بعض علماء المذاهب الأربعة، فرأوا أن هذه الأفعال وإن كان ظاهرها أنها مفسدة، وإنها لا وجه لها ظاهرا من كتاب الله، ولا سنة نبيه لكنها مفسدة حقيقة مقصود بها دفع مفسدة أو مفاسد أهم وأعظم، وهي ما يتولد من قطع الطرقات، ونهب أموال المسلمين وسفك دمائهم، والتظالم مع ما يحصل بهذه المفسدة من مصالح جمة، وهي إقامة أركان الدين الشريف، وتنفيذ أحكامه على القوي والضعيف، فأرصدوا هذه الأموال لهذه المقاصد الحسنة وهي لها[145/أ] مأخذ-من الشموع جملية، وليس الشرع منافيا نصا ظاهرا، فقد حكى الله في قصة الخضر (عليه السلام) في حرق السفينة عنه أنه أعابها على أهلها لئلا يأخذها الظالم عليهم أصالة، فرأى أن عيبها على أهلها وإن كانت مفسدة، فهو لدفع مفسدة أعظم وهو أخذها، وإذا تقرر هذا في شرعنا فما قرره شرعنا فهو شرع لنا، وإنما أخذوا هذه الأموال على هذه الصفات والأحوال لأنها وإن كانت مظلمة فقد سكنت نفوس الرعايا إليها، ووطنت أنفسها عليها لا سيما قوانين المجابي، ولو أخذت منهم على غير هذه الصفة المعهودة لزاد التظلم والانتقاد، وعظم التشكي في البلاد، فإذا سيرة الأئمة فتفطن لما أقول لك لما كثر الفساد من أهل الزمان لم تكن إلا دفع مفسدة بفعل مفسدة أخف وفي الشرع نصوص إن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا أزالت المفاسد عن الأيمة، وصلح الزمان وأهله على الفرض رجعوا إلى جلب المصالح وانتقلوا عن دفع المفاسد، ومثل هذه الأفعال قد نص عليها العلماء في جواز قتل الترس الذي يترس به الكفار دوننا، وهم من المسلمين ويجعلونه دونهم ذريعة إلى استئصال أهل الإسلام.
فإنه إذا لم يمكن المسلمين دفع الكفار إلا بقتل المسلمين المتيرس بهم جاز، وإن كان قتل المسلم مفسدة لدفع مفسدة أعظم وهو حسنة استئصال أمة من المسلمين، ومثل هذه المسألة ما ذكر العلماء أنه إذا طبق الأرض الحرام ولم يوجد الحلال فإنه يجوز سد الضرورة منه مع كونه محرما لأنه فعل مفسدة أعظم، وهي ذهاب أرواح المسلمين.
পৃষ্ঠা ৫৯৯