তাওয়িলাত
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام
قاب قوسين أو أدنى
[النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا أجمعين.
[6.91-93]
ثم أخبر عن جلال قدرته وكمال عزته وعظمته بقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } [الأنعام: 91] والإشارة فيها أن العلم المخلوق لا يحيط بالأوصاف القديمة ولا يدرك القديم إلا بالقدم { وما قدروا الله حق قدره }؛ إذ هم مخلوقون والمخلوق لا يقدر إلا المخلوق، فكل من عرف الله بآلة مخلوقة فهو على الحقيقة غير عارف؛ لأنه لم يعرفه حق معرفته ومن عرف الله بآلة قديمة، كما قال بعضهم: " أعرف ربي بربي " ، فقد عرف الله وهو عارف، ولكن على قدر استعداده في قبول فيض الربوبية الذي به عرف الله لا على قدر ولا على نهاية ذاته وصفاته { إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء } [الأنعام: 91]؛ يعني لو عرفوا الله حق معرفته لعلموا أنه أنزل الكتب وبعث الرسل فمن أراد في معرفة أوصافه فقد ازداد في معرفته، ولما لم يحط أحد بكمال أوصافه ما قدروا الله حق قدره على الحقيقة.
ثم قال: { قل من أنزل الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس } [الأنعام: 91]، حجة عليهم يعني من الذي يجئ بكتاب كما جاء به موسى عليه السلام وحاله أن ينور القلوب القاسية بنور الله تعالى ويهديهم بذلك النور إلى الله تعالى ودينه غير الله، فإن الكتاب الذي يجيء به غير الله لا يكون له هذا الحال لا { تجعلونه قراطيس } [الأنعام: 91]، أي إنما أنزل الكتاب الذي حاله أن ينور القلوب ويهديها إلى الله لتعلموا به وسيرى الله نوره إلى قلوبكم فجعلتموه { قراطيس } بالكتابة وما تجعلونه في قلوبكم بالتخلق بالأخلاق الكتاب فلا جرم تبدونها إلى صورة قراءتها وروايتها { تبدونها وتخفون كثيرا } [الأنعام: 91]، وهو حقائقها الكثيرة التي تتعلق بنور الكتاب وهداه وهو غير متناه { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءابآؤكم } [الأنعام : 91]، يشير بهذا إلى كمالية مرتبة محمد صلى الله عليه وسلم وكمالية دينه على الأنبياء عليهم السلام والأديان كلها وذلك أن محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث لتعليم الكتاب والحكمة وتعليم ما لم يعلم غيره من الكتاب والحكمة كقوله تعالى:
ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون
[البقرة: 151]، والذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب قوله تعالى: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } [الأنعام: 91]، ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سر بسر وإضمار بإضمارنا المعنى { قل الله } بشرك عند خلوة عن التفات ما سواه من خلقه { ثم ذرهم } أي الخلق في خوضهم يلعبون أي ليلعبوا بمن خاض فيهم وبلعبهم من خاضوا فيهم ومعهم حتى يقولوا يوم الحسرة وكنا نخوض مع الخائضين فهو الذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من حقيقة علم الكتاب والحكمة مما لم يعلموهم ولا آباؤهم والله أعلم.
ثم أخبر عن هذا الكتاب أنه مبارك على أولي الألباب بقوله تعالى: { وهذا كتب أنزلنه مبارك } [الأنعام: 92]، الآيتين الإشارة فيهما أن هذا الكتاب أنزلناه مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بإضافة وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب كما قيل وكتبك حولي لإنفاق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم { مصدق الذي بين يديه } [الأنعام: 92]، يعني حقائقه جميع حقائق ما في الكتب الذي أنزلت قبله مستوعبا للتخلق به { ولتنذر أم القرى } [الأنعام: 92]، وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق وأوحيت جميع أرض القلب من تحتها { ومن حولها } [الأنعام: 92]، من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بما يتنوروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه { والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به } [الأنعام: 92]، يعني ما هو توجهه إلى الآخرة الباقية في أمور الدنيا والآخرة لا للدنيا الفانية وشهوات النفس، وهو لها فقرا من القرآن وتنور بأنواره وانتفع من أسراره { وهم على صلاتهم يحافظون } [الأنعام: 92]، يعني على الترقي من صفاتهم وأخلاقهم إلى الاتصاف بصفات الحق والتخلق بأخلاقه يداومون فإن الصلاة معراج المؤمنين { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: 93]، يعني الذين يراءون في التأوه والزعقات وإظهار المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب إلا الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور، وفي معناه انشدوا:
إذا انسكبت دموع في خدود
অজানা পৃষ্ঠা