তাওয়িলাত
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عن عزة الفراق وعزة الرحمن بقوله تعالى: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا } [الإسراء: 86] إشارة إلى أنه ليس في استعداد الإنسان ولا في مخلوق غيره أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الله تعالى لعباده في غاية الجزالة والفصاحة، وإشارة في غاية الدقة والحذاقة، ولطائف في غاية اللطف واللطافة، وحقائق في غاية الحقية والنزاهة، وكما قال علي رضي الله عنه: " ما من آية إلا ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع " ، فالظاهر للتلاوة، والباطن للفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العندية.
وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه: عبارة القرآن للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء.
وقال: العبارة للسمع، والإشارة للعقل، واللطائف للمشاهدة، والحقائق للاستسلام.
أي: لا سبيل للجوهر الإنساني إذا استغرق في بحر حقائقه بالخروج إلى ساحله أبد الآباد إلا أن يستسلم لحقائقه؛ لأنه لا نهاية لها، فإذا تحقق أنه ليس لمخلوق أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الخالق وهو غير مخلوق، ولو ذهب به الله عن قلوب أنبيائه لا يجدون ناصرا ينصرهم على رده كقوله تعالى: { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا * إلا رحمة من ربك } [الإسراء: 86-87] أي: ولكن الله قادر على أن يرد إليك برحمته { إن فضله كان } [الإسراء: 87] في الأزل { عليك كبيرا } [الإسراء: 87] يسعك فضله من الأزل إلى الأبد.
[17.88-89]
ثم قال تعالى شاهدا أو دليلا على ما قررناه لكلامه: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } [الإسراء: 88] أي: جامعا لما ذكرناه { لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم } [الإسراء: 88] من الإنس والجن { لبعض ظهيرا } [الإسراء: 88] أمينا وناصرا.
ولفظ الجن يتناوله الملائكة وكل من لم يدركه حس البصر لأنهم مستورون عن البصر يقال : جن بترسه إذا استتر به؛ ولهذا قيل للترس المجن، وإنما قلنا للباقون بمثله؛ لأنه ليس لكلام الله مثل؛ إذ كلامه صفته، وكما أنه ليس لذاته تعالى مثل وكذلك ليس لصفاته مثل؛ لأنها قديمة قائمة بذاته تبارك وتعالى وصفات المخلوق مخلوقة قابلة للتغيير والفناء.
ثم قال: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } [الإسراء: 89] أي: وجهنا ودبرنا لمن نسي الطريق إلينا في معاني هذا القرآن وأسراره وإشاراته من كل طريقة وسبب وإرشاد يتعلق بالروح إلينا { فأبى أكثر الناس } [الإسراء: 89] الرجوع إلينا وما اختاروا { إلا كفورا } [الإسراء: 89] جحودا أو إنكارا أو إصرارا على كفران نعمة الدين والقرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
[17.90-94]
وبقوله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب } [الإسراء: 90-91] الآية إلى قوله: { قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } [الإسراء: 93] يشير إلى أنهم أرباب الحس الحيواني يطلبون الإعجاز من ظاهر المحسوسات ما لهم بصيرة يبصرون بها شواهد الحق ودلائل النبوة، وإعجاز عالم المعاني بالولاية الروحانية والقوة الربانية؛ فيطلبون منه تزكية النفوس، وتصفية القلوب وتحلية الأرواح، وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب؛ لينبت منها نخيل المشاهدات أو أعناب المكاشفات في جنات المواصلات { قل سبحان ربي } [الإسراء: 93] أي: هو القادر على ملتمسكم، والحكيم بصلاحية الأحوال والأمور إن يشاء يبذل مسئولكم ويعطي مأمولكم { هل كنت إلا بشرا } [الإسراء: 93] مثلكم { رسولا } [الإسراء: 93] من الله مبلغا رسالته مؤدبا بآداب العبودية، مستسلما لأحكام الربوبية.
অজানা পৃষ্ঠা