والبعض أثبت بالحلاوة حكمه
كذب الجميع بزعمهم في طعمه
من ذاقه يوما ليعرف طعمه
وكان ودودا مخلصا رقيق القلب حسن التدين مبالغا في اجتناب السحت، لا يعطي مالا ولا يأخذ مالا بالربا ولا يكتب صكا فيه ربا، وكان واسع المحفوظ كثير النكات والنوادر، وكان يروي القصة بتواريخها وأسماء أصحابها وأسماء بلدانهم. ومن غريب ذاكرته أنه كان إذا نظم الشعر لا يكتبه بيتا بيتا، ولكنه كان ينظم الأبيات ثم يكتبها، حتى إنه في مدة اعتلاله الأخير أملى ثمانية عشر بيتا دفعة واحدة، وقد ألف إحدى مقاماته وهي المقامة اليمامية على ظهر الفرس، وكان مسافرا بأهل بيته من بيروت إلى بحمدون سنة 1853 بقصد الاصطياف، فلما انتهى إليها أخذ قرطاسا فعلقها، فكان يحفظ القرآن بتمامه ويعي من الشعر شيئا كثيرا ولا سيما شعر المتنبي لشدة إعجابه به، وكان يقول «كان المتنبي يمشي في الجو وسائر الشعراء يمشون على الأرض.»
وهو من المحافظين على لهجة قومه وتقاليد أهل بلاده في الطعام واللباس والجلوس وسائر العادات كما كانوا في عصورهم القديمة؛ فكان لا يطيب له إلا أن يتغنى بما تغنوا به، وأن يحذو حذوهم في كل شيء، وكان يلبس العمامة في رأسه والجبة والقفطان على بدنه ويضع الدواة تحت منطقته. وروى تلميذه وابن وطنه الدكتور شبلي شميل أنه سمعه مرة يقول على سبيل المزاح: «لو فقد الشاش لاعتممت بالقطوعة.» وهي في لغة عامة سوريا قطعة من الحصير القديم. ومن عادته أن يكتب على ركبته متربعا فوق منبذة مطروحة على الحضيض، وأمامه منضدة صغيرة لوضع القلم والحبر والقرطاس. واشتهر بصناعة الخط الذي أتقنه كثيرا. ويقال إنه لو جمع ما كتبه في حياته بخط يده لكان ذلك لا يقل عن محمول جملين، وله ولع شديد باستعمال التبغ فكان يدخن بالغليون ويكثر من تناول القهوة، ويروى من جملة نوادره أنه زار المعلم إبراهيم سركيس في منزله، فلما قدمت له القهوة أنشده إبراهيم هذا البيت:
قهوة البن حرام
قد نهى الناهون عنها
فأجابه الشيخ ناصيف اليازجي من فوره قائلا:
كيف تدعوها حراما
وأنا أشرب منها
অজানা পৃষ্ঠা