وله أحاديث تدل على سوء أخلاقه وأفعاله وقسوته البربرية لا موضع لذكرها هنا أشهرها قتله مريمنة زوجته وأخاها وجدها هركانس وابنيها إسكندر وأرستبولس، وأصيب في أخريات أيامه بمرض قتال ذاق منه صنوف الآلام والعذاب، وتوالى على الملك بعده خمسة من نسله كان لبعضهم شأن في تاريخ الديانة النصرانية، وكان بعضهم كهيرودس الكبير هذا في الأخلاق والطباع وحب الأبهة والفخفخة وبعضهم عادلا عفيفا نزيها، وانتهى ملكهم سنة 100ب.م، ولم يحدث في أيامهم حوادث ذات شأن؛ ولذا أغفلنا بسط الكلام عنهم، وكان لهم وقائع مع أمبراطرة رومية لا علاقة لها بتاريخ اليهود مباشرة فلتطلب في أماكنها من تاريخ الرومان.
على أن اليهود لم يخلدوا إلى السكينة بعد دخولهم في طاعة الرومان، وشق عليهم أن تحتل جنود الأجانب عاصمة ملكهم وبيت مقدسهم، فكانوا تارة يتهددون الولاة وطورا يطردون الجند الروماني من أورشليم، وآونة يظهرون الرضا بحكم الأمبراطرة عليهم إلى أن توفي هيرودس أغريباس الملك ابن ابن هيرودس الكبير وعقبه ولاة رومانيون أكثرهم ظالمون عتاة، فلم يهتموا بشئون اليهود، بل عاملوهم بالقسوة وساموهم الخسف حتى عيل صبرهم فرفعوا أمرهم إلى رومية، ولما لم يأتهم منها الفرج تظاهروا بالعصيان وأحدثوا شغبا عظيما، فأرسلت إليهم رومية قائدها المحنك فسباسيان، فحاصر أورشليم وحارب اليهود وظل على قتالهم إلى أن انتخبه الجيش الروماني إمبراطورا فخلف ابنه تيطس على الحصار وقتال اليهود، وكان تيطس هذا قائدا مدربا وبطلا مجربا ذاق منه اليهود الأمرين ولقي منهم من المقاومة والدفاع والثبات في الحرب والحصار ما كاد يثنيه عن عزمه من إخضاعهم، لكنه ثابر على منازلتهم بالجنود الرومانية المشهورة ومني اليهود بالانقسام الداخلي والفتن والمنازعات بينهم حتى ضعف أمرهم وتقلص ظلهم وتقوى تيطس عليهم فمزق شملهم، ودخل أورشليم فدكها دكا ودمرها تدميرا، ومات من اليهود في ذلك الحصار نحو مليون نفس، فسالت الدماء كالأنهار، وأبدى اليهود من البسالة ما لو كان لهم مثله من الوفاق والوئام لقهروا تيطس وجيوشه وأجلوهم عن اليهودية وأعادوهم إلى رومية مدحورين مخذولين، وقد فصل يوسيفوس المؤرخ الشهير قصة تلك الحرب، ونحن ننقل طرفا مما كتبه في هذا الشأن منقولا عن مجلة المقتطف التي استخلصته من أوثق المصادر، ومنه يتضح شدة المقاومة التي لقيها تيطس في حربه هذه مما شاب لهوله الولدان، ولم يلق الرومانيون مثله إلا في حروبهم مع القرطاجنيين يوم كان يقودهم هنيبال المشهور إلى مواقع الظفر.
قال يوسيفوس: فسار تيطس نحو المدينة أي: أورشليم، ولم ير أحدا أمام أبوابها، ثم التفت ليدور حولها، وإذا بجمهور غفير من اليهود خرج من الباب المقابل له وفصل بينه وبين رجاله فلم يبق معه إلا نفر قليل منهم وتعذر عليه التقدم إلى ما أمامه؛ لأن في الأرض جدرانا قائمة في طريقه وخنادق عميقة وتعذر عليه الرجوع إلى رجاله؛ لأن اليهود فصلوا بينه وبينهم، لكنه لم ير له سببا إلى النجاة إلا بالرجوع على اليهود، فأدار جواده ونادى بالذين معه ليتبعوه، واستل سيفه واقتحم جموع الأعداء والنبال تنصب عليه، وهو بلا درع ولا خوذة، وكان اليهود يزدحمون عليه فيزعق بهم ويحمل عليهم حملة الأبطال فيفرقهم شذر مذر، والنفر القليل يحمون ظهره، وظل على هذه الحال إلى أن تمكن من النجاة وسر اليهود بهذا الظفر.
ولما رأى اليهود أن جنود الرومانيين أحاطوا بالمدينة؛ لكي يسدوا خناقها، قالوا: ما لنا نشتغل بمحاربة بعضنا بعضا عن مناجزة أعدائنا، وقد أحاطوا بنا إحاطة السوار بالمعصم هلم نخرج إليهم ونوقع بهم قبلما يتمكنون من نصب خيامهم وإقامة الحصون حولها، فاختطفوا أسلحتهم وخرجوا على الفيلق الأخير ... فلم يشعر الرومانيون إلا واليهود يتدفقون عليهم تدفقا، فبهتوا وأركن بعضهم إلى الفرار وبادر البعض إلى أسلحتهم، فقابلهم اليهود بالسيوف والحراب وأوقعوا بهم، ونمي الخبر إلى تيطس، فأسرع بشرذمة من نخبة رجاله وهجم على اليهود وقتل كثيرين منهم وهرب الباقون إلى الوادي، فتبعهم وأمر أن تصطف فرقة من الجنود للقتال، وتهتم الفرق الأخرى بنصب الخيام وتحصين المعسكر، فلما رأى اليهود الرومانيين راجعين لتحصين المعسكر ظنوا أنهم هربوا من وجوههم، فأعادوا الكرة كأنهم حجارة تقذفها المجانق، فهرب الرومانيون من وجوههم، ولم يبق في الوادي إلا تيطس وبعض رجاله، فألحوا عليه بالانصراف من وجه اليهود؛ لأنهم رأوهم مستقتلين، فلم يلتفت إليهم وتطلع الجنود الذين على الجبل إلى الوادي، وشاهدوا تيطس فيه يحيط به اليهود فكبر عليهم الأمر وعلتهم حمرة الخجل، فارتدوا عليهم بعزيمة صادقة وأنقذوا قائدهم من مخالب الموت.
صورة الهيكل في السنة الأولى للميلاد
معنى الإشارات في هذه الصورة: (أ) قدس الأقداس. (ب) القدس. (ج) مذبح المحرقة. (د) مرحضة النحاس. (ه) دار الكهنة. (و) دار إسرائيل، (ز) باب نيكانور. (ح) دار النساء. (ط) الباب الجميل. (ي) دار الأمم. (ك) الباب الشرقي. (ل) رواق سليمان. (م) الرواق السلطاني، (ن) الحائط الخارجي.
واحتال اليهود على الرومانيين حيلة كادت تودي بكثيرين منهم، ذلك أن قوما من الخوارج تظاهروا كأن جماعة الشعب طردتهم من المدينة لإصرارهم على العصيان، فخرجوا منها متضعضعي الحال، وتظاهروا كأنهم خائفون من أن يعرف الرومانيون أمرهم فيوقعوا بهم، ووقف أناس على الأسوار ينادون الرومانيين ويستأمنون إليهم، وكان الخوارج يرتدون إلى الأبواب قاصدين الدخول فيرشقهم هؤلاء بالحجارة ويصدونهم عنها، وانخدعت الجنود الرومانية بهذه الحيلة، وظنت أنها تقتل أولئك الخوارج، ثم تدخل المدينة بأمان؛ لأن الشعب استأمن إليها، ولم تنطل هذه على تيطس فأمر جنوده أن يبقوا في مواقفهم، لكن بعضهم كانوا بعيدين عنه، ولم يسمعوا أوامره فهجموا على الخوارج إلى أن صاروا بين الأسوار، وللحال خرج عليهم جمع غفير من اليهود وأحاطوا بهم ورشقهم الذين على الأسوار بالحجارة والسهام، فقتلوا وجرحوا كثيرين منهم وأسقط في يد الرومانيين وارتبكوا في أمرهم خجلا ودهشة، ولكنهم قالوا: إن نحن عدنا مخذولين فليس أمامنا إلا العقاب الشديد، فقاتلوا مستبسلين وارتدوا رويدا رويدا، فنجا كثيرون منهم.
وقال يوسيفوس في موضع آخر مشيرا إلى الفتنة في المدينة: «وكان مع شمعون في الأماكن العالية من المدينة عشرة آلاف مقاتل ما عدا الأدوميين وهم خمسة آلاف، ومع يوحنا ستة آلاف مقاتل ما عدا الغيورين الذين انضموا إليه وهم ألفان وأربعمائة، وقد استولى يوحنا على الهيكل، واصطلح هذان القائدان عند أول مجيء الرومانيين عليها، ثم عادا إلى الشحناء ونال أهالي المدينة منهما أكثر مما نالهم من الرومانيين، ويقال جملة: إن الخوارج أهلكوا المدينة، وإن الرومانيين أهلكوهم.» وقال في موضع آخر: «ولما أتم الرومانيون بناء حصونهم وضعوا عليها الكباش، وجعلوا ينطحون الأسوار بها، ورأى اليهود ذلك فأيقنوا بالهلكة واصطلحوا بعضهم مع بعض وتناسوا ما بينهم من البغضاء، وتحالفوا على مقاومة العدوان، وكان الرومانيون قد وضعوا حول الكباش دبابات وقاية لها وللذين يدفعونها، فخرج اليهود ومزقوها وقتلوا الذين فيها، إلا أن تيطس لم يأل جهدا فضاعف عدد الرجال وحماهم بالرماة، ودامت الحرب على هذا المنوال أياما والكباش تنطح السور ولا تنال منه إربا، وخرج اليهود من باب خفي وحاولوا إحراق الكباش والمجانق وسائر آلات الحصار، واشتد القتال بينهم وبين الرومانيين، وكادوا يفلحون في إحراقها لو لم يبادر تيطس بنخبة فرسانه ويقع عليهم، ويقتل اثني عشر رجلا منهم بيده ويضطرهم إلى الفرار والرجوع إلى المدينة.» ودامت الحرب سجالا بين الفريقين، وأظهر كل فريق من البسالة ما يخلد ذكره في صفحات التاريخ، أما اليهود فلجسارتهم الخلقية ولخوفهم من الوقوع في يد الرومانيين، وأما الرومانيون فلرغبتهم في إرضاء قائدهم تيطس وفي إحراز الفخار؛ ولأنهم اعتادوا الظفر في مواقع القتال.
وظلت الحال على هذا المنوال بين أخذ ورد حتى وقعت المدينة في أيدي الرومانيين كما تقدم، ولم يقبل أهلها ما عرضه عليهم تيطس من الأمان فأسر منهم نحو مائة ألف، ومات ما يزيد عن مليون قتلا ومرضا وجوعا. (2-5) تفرق اليهود بعد خراب أورشليم
إلى هنا ينتهي تاريخ الإسرائيليين كأمة، فإنهم بعد خراب أورشليم كما تقدم تفرقوا في جميع بلاد الله وتاريخهم فيما بقي من العصور ملحق بتاريخ الممالك التي توطنوها أو نزلوا فيها، وقد قاسوا في غربتهم هذه صنوف العذاب والبلاد، فإن الرومانيين حظروا عليهم دخول أورشليم إلى أن تبوأ القياصرة المسيحيون تخت المملكة الرومانية، فأعاد قسطنطين الكبير لأورشليم اسمها بعد أن استبدل بغيره، واهتمت أمه الإمبراطورة هيلانة بتنظيفها والنقب فيها، وظلت البلاد في حوزة الرومان إلى سنة 614 حين استولى عليها الفرس بقيادة كسرى الثاني، وفي سنة 637 دخلت في طاعة العرب المسلمين في خلافة الإمام عمر، وأخذها صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين سنة 1187، وانتقلت في زمن الحروب الصليبية ثلاث مرات من الصليبيين إلى المسلمين، وأخيرا امتلكها السلاطين العثمانيون مع جميع سوريا وسائر فلسطين، وذلك سنة 1517، ولا تزال خاضعة لهم، وأكثر فلسطين اليوم وهو الجزء الجنوبي واقع ضمن متصرفية القدس وبعضها وهو الجزء الشمالي داخل في ولايتي بيروت والشام والمتصرف يقيم في أورشليم نفسها المعروفة بالقدس الشريف.
অজানা পৃষ্ঠা