وخرجنا أنا وصديقي أسعد حسني، وافترقنا. وأحسست ضوضاء في رأسي وغيظا في قلبي؛ لأني جرحت كبرياءها وأفهمتها بترددي وصمتي على الباب حين ظهرت أني افتقدت جمالها فلم أجده، وأني شهدت بذلك أن دنيا الشباب التي كانت تستمتع بها وتمرح فيها قد زالت عنها. وارتميت على كرسي في مقهى قريب من بيتها عند ميدان مصطفى كامل وشرعت أفكر. وأحسست كأني أريد أن أصفع وجهي لهذه الجلافة التي بدت مني عند لقائها. ثم نهضت وأنا على نية العودة إليها في اليوم التالي كي أكفر عن زلتي الماضية.
وفي صباح اليوم التالي وعلى غير ميعاد قصدت إليها حوالي الساعة التاسعة من الصباح، ودققت الجرس، وبعد قليل فتحت الباب وكانت متبذلة كأنها لم تكن تنتظر سوى بائع أو بواب يطرق بابها في هذا الوقت. فلما رأتني ارتدت خجلة، ولكني سارعت إليها وعانقتها وقبلتها في حرارة مصطنعة كأني عاشق مفتون. ولم يكن هناك عشق وإنما كانت تغمر قلبي رحمة وكان كمدي على لقاء الأمس قد أثارني إلى هذا اللقاء؛ كي أثبت لها أنها لا تزال كما كانت: مي الجميلة الرشيقة الأديبة التي تجذب القلوب وتفتن العقول.
وما هو أن خليت عنها حتى تراجعت وهي تقول: «مرسي، مرسي يا أستاذ!» وكأنها أحست أن هذه المعانقة لم تكن إلا تفضلا وتصدقا. وقعدنا معا وأنا أحاول أن أتحبب إليها بالكلمة والإيماءة وأرد إليها كرامتها المجروحة. وطربت هي ومرحت ... وعادت تقص علي القصص وتتشنج بالضحك. ثم تذكر آلامها في المارستان فتبكي وتتشنج بالبكاء. وكان بكاؤها أكبر من البكاء، كان دموعا تتدفق ترافقها تشنجات وتنهدات عالية، ثم يغمرها هدوء ترتاح إليه وتعود إلى الحديث.
تفعل ذلك في تكرار وأنا أخفف عنها وأداعبها وأضاحكها. وتركتها بعد عناق حاولت أن أحسن تمثيله. وظني أني أحسنت؛ لأنها حين ودعتني كانت تثب ضاحكة مرحة. وودعتني عند الباب بمثل ما ودعتها به، وتركتها وقد نذرت أني أزورها مرتين كل أسبوع. ودعوتها لإلقاء محاضرة في جمعية الشبان المسيحية فلبت الدعوة. وحضرت وألقت محاضرتها وهي على أحسن ما كانت من الرصانة والتفكير.
ولكن المرض - ألمانيا - لم يكن قد فارقها؛ ففي أحد الأيام كنت أسير بالقرب من البنك الأهلي فرأيتها متبذلة، بل في رثاثة شاذة، وهي تحمل كرنبة كبيرة وتسير بها نحو بيتها. ولم تكن فقيرة إلى هذا الحد؛ إذ كان يمكنها أن تستخدم خادما أو اثنين. ولكن الاختلاط العقلي الذي كانت تعانيه من ألمانيا جعل تصرفها شاذا. وحاولت أن أنزع منها الكرنبة وأسير معها إلى البيت، ولكنها رفضت، وسرت معها على خجل من المارة وأنا أفكر في الحال السيئة التي انحدرت إليها. وفارقتها عند بيتها وقد غمرني حزن وكمد.
ودعتني الظروف إلى الاغتراب عن القاهرة نحو شهر، فلما عدت قرأت نعيها في الصحف، سبعة أو ثمانية سطور في عمود الوفيات هي كل ما بقي عن مي بعد موتها ...
وعرفت بعد ذلك أن مرضها قد تفاقم، وأنها التزمت مسكنها لا تخرج نحو عشرة أيام، وصامت عن الطعام. وكانت قد فقدت كل ما بقي لها من وجدان وتعقل، فكانت تبول وتتبرز في أنحاء المسكن وعلى الفراش وسائر الأثاث، وماتت جوعا وإن لم تحس أنها جائعة.
وقد تتبعت في حياتها مؤلفاتها وكتبت لأحدها مقدمة.
وأسفي عليها أني لم أزد اختلاطي بها وخاصة عقب عودتها حين لم يعد لها أب أو أم يؤنسها؛ لأني أعتقد أنها كان يمكن أن تنقذ من هذه «ألمانيا» التي استولت عليها واستبدت بعقلها حتى سحقته لو أننا كنا قد استطعنا أن نبعث صالونها الأدبي من جديد حتى تعود فتتلألأ وتجمع حولها المعجبين بأدبها وعبقريتها. •••
قلت: إن مي لم تطق انفضاض المعجبين بجمالها عنها. وكان هذا أحد الأسباب - بل لعله السبب الوحيد - لانهيار شخصيتها؛ ذلك لأنها لم تقنع بالتبريز في الأدب، ولو كانت قد قنعت به لوجدت فيه العوض مما فقدت من جمال الجسم عقب الخمسين من عمرها. ولعلها كانت عندئذ تحتفظ بسلامة نفسها وعقلها .
অজানা পৃষ্ঠা