وعندما أقارن بين مؤلفاتي وبين مؤلفات طه حسين وعباس العقاد أعجب أكبر العجب؛ لأن موضوعاتهما التي تشغلهما تختلف عن الموضوعات التي تشغلني.
فإن لهما أكثر من ثلاثين أو أربعين كتابا في شرح المجتمع العربي في بغداد والمدينة ومكة في القرن الأول للهجرة. ولهما دراسات عن أبطال من العرب ماتوا قبل 1300 أو 1200 سنة. وكأن المجتمع المصري الحديث، وثورات الشعوب، والانقلاب الاقتصادي الذي يفصل بين عصر الإقطاع وعصر الصناعة، وحرية الفكر التي تدعو إلى العقل بدلا من العقيدة، وقيمة العلم، ونظرية التطور، كل هذا وغيره مما يلابسه من الأفكار والاهتمامات لا قيمة لهما في نظرهما لارتقاء شعبنا. وليس لواحد منهما كتاب واحد عن هذه الموضوعات.
ومما يؤسف له أنه قد نشأت لهما «مدرسة» تؤلف عن كل شيء عربي قديم، وليس عن مشكلة مصرية حديثة. والتأليف هنا سهل لا يكاد يحتاج إلى مجهود؛ إذ ليس أسهل من الرجوع إلى الطبري، أو الأغاني، أو ابن الأثير، أو السيرة الحلبية، أو غير هذه الكتب لاستخراج صيغة جديدة لترجمة قديمة. وكثيرا ما تكون هذه الصيغة الجديدة دون السيرة أو الترجمة القديمة.
وكما كان يقول توفيق الحكيم، أو كما كان يمارس الفن - وفق سخافة «الفن للفن» - كذلك أحس وأنا أسمع بعنوان جديد لطه حسين أو عباس العقاد بأنهما يؤلفان للتأليف وليس لهدف اجتماعي يخدم الشعب.
في كل ما ألفت أنا هدفت تصريحا أو إضمارا إلى خدمة الشعب وتوجيهه؛ فإن عناوين مؤلفاتي يكفي ذكرها للبرهان على ذلك. مثل «نظرية التطور» و«حرية الفكر» و«الثورات» و«كيف نربي أنفسنا» و«الأدب للشعب» و«برناردشو» و«طريق المجد للشباب» ... إلخ.
ولو كنت قد وجدت الحرية أيام الحكومات الملوكية السابقة لألفت عن الاشتراكية بما كان يوجه ويرشد.
وسخافة «الفن للفن» جعلت توفيق الحكيم يدعو إلى الموت بدلا من الدعوة إلى الحياة كما هو واضح في درامته «أهل الكهف». •••
والآن عندما أراجع حياتي التأليفية، أحس الأسف أكثر مما أحس الفرح؛ ذلك أنه كان يمكنني أن أنفع بلادي أكثر لو أني كنت على حرية تامة في التأليف. ولكني كنت حين أؤلف أحس التوتر في ضميري وأقف حائرا فترات يظل فيها عقلي حائرا بين أن أكتب ما يجب أو أكتب ما يمكن. وأنتهي إلى «ما يمكن» وأترك ما يجب. أي أترك الحسن إلى ما هو دونه.
وربما كان الأزهر أكبر ما عاق تفكيري الحر. وقد ألفت كتابي: «هؤلاء علموني» ولم أذكر فيه كارل ماركس مع أنه الأول في تنويري وتثقيفي؛ فقد خشيت إن أنا ذكرته أن أتهم بنشر الشيوعية.
وما زلت أذكر مع الغصة أن شيخ الأزهر - أيام حكم إسماعيل صدقي في 1930 - طلب من وزارة المعارف ألا تشترك في «المجلة الجديدة» التي كنت أصدرها وقتئذ وأناهض بها هذا الطاغية الذي ألغى الدستور. وكانت حجة الأزهر أن هذه المجلة تدعو إلى الكفر. ووجد إسماعيل صدقي في هذه التهمة تبريرا لتعطيلها وتخلصا من نقدي له. وفعل مثل ذلك مع اثنتي عشرة مجلة أخرى كنت أصدرها.
অজানা পৃষ্ঠা