তারাজিম মিসরিয়া ওয়া ঘারবিয়া
تراجم مصرية وغربية
জনগুলি
ومن نافلة القول تكرار الكلام عن برنامجه في تحرير المرأة، فقد تناول الكتاب هذا البرنامج بالشرح والتحليل منذ أكثر من عشرين سنة، وكل ما يمكن لقارئ كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» أن يقف عنده اليوم في شأن برنامجه ما اضطر إليه من تحفظ يجعل أهل هذا الجيل يرون صيحة قاسم التي كانت يوم ظهرت قوية مرعبة أن هزت أركان عادات أهل عصره لا تزيد اليوم على أنها صورة للآراء والعادات المتداولة، ونسخة من آلاف ما يكتب من نوعها وما يزيد أكثر الأحيان في تقدمها وسبقها.
ومعنى هذا أن دعوة قاسم آتت كل ثمرها فصارت بعض عقائد الناس وآرائهم، وإذا كان شيء مما دعا إليه كتنظيم تعدد الأزواج وكجعل الطلاق بإذن القاضي ما يزال موضع النظر، فإن الرجاء منعقد بتمامه عما قريب، كما أنه لم يبق من يعترضه إلا الجامدون والذين في قلوبهم مرض.
على أن كتابي «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» ليسا مقصورين على الدعوة إلى تعليم المرأة وإزالة الحجاب، بل فيهما مذهب جديد في التفكير والكتابة لم يكن معروفا من قبل قاسم ولم يسبقه إليه أحد، فيهما شيء من «الرومانتسم» الغربي ومن تحليل الطبيعة الإنسانية في أرق عواطفها وأدق وجداناتها، فقد كان قاسم ينظر إلى عاطفة الحب نظرة عبادة وتقديس ، وكان يقول: «إن العارف يعتبر العثور على الحب الشريف أكبر السعادات في هذه الدنيا، وإذا كان المال زينة الحياة فالحب هو الحياة بعينها.»
3
وكان يراه غذاء روحيا لا غنى لنفس عنه في جميع أدوار حياته، وعنده أن: «كل عشق شريف، فإن كان بين شريفين زاد في قيمتهما ورفع من قدرهما، وإن كان بين وضيعين أكسبهما شرفا وقتيا حتى إذا زال العشق سقطت قيمتهما وانحطت مرتبتهما ورجعا إلى أصلهما»، ورجل ذلك نظره للحياة أدنى إلى تغليب حكم العاطفة وإلى اعتبارها الهادي والمرشد الأول في الحياة.
وإنك إذ تقرأ في كتابيه ما كان صادرا عنه هو غير متأثر بجدله مع غيره أو ببحوثه الفقهية التي التجأ إليها لتبرير مذهبه بإزاء الشريعة الإسلامية، إذ ذاك ترى العاطفة الحية الحساسة، عاطفة المحبة والرحمة والتسامح والسلام هي السائدة في كل نواحي الكتاب، وهي مقدمة كل أسبابه ونتائجه، وهل الحياة إلا محبة ورحمة وتسامح وسلام؟! وهل في الحياة أجمل من المحبة والرحمة والتسامح والسلام؟!
وقاسم يريد بالناس أن يستمتعوا بجمال الحياة وبالحياة كلها استمتاعا كاملا، وهو لا يريد هذا على أنه مجرد دعوة لمثل أسمى قد تصل الإنسانية إليه وقد لا تصل، ولكنه يريده حقيقة تتم، وهو يريده لنفسه بمقدار ما يريده للناس، وأكثر مما يريده للناس، وأنت ترى هذا في كلماته التي لم تنشر للناس إلا بعد موته والتي كان يرصد فيها أفكاره الخاصة لنفسه، ترى في هذه الكلمات مبلغ إيمانه بالجمال وبالحب وبالفن الجميل، وترى مبلغ ألمه لعدم تقدير بني وطنه بدائع الطبيعة وتصوير رجال الفن لهذه البدائع، قال: «وصلنا قصر اللوفر وكنا أربعة من المصريين لنمتع النظر بأبدع ما جادت به قرائح أعاظم الرجال في العالم، فبعد أن تجولنا في غرفتين جلس أحدنا على أحد الكراسي قائلا: أنا اكتفيت بما رأيت وها أنا ذا منتظركم هنا، وقال الثاني: أتبعكما لأني أحب المشي وأعتبر هذه الزيارة رياضة لجسمي، وسار معنا شاخصا أمامه لا يلتفت إلى اليمين ولا إلى اليسار وما زال كذلك حتى وصلنا قاعة المصاغ والحلي، وحينئذ تنبهت حواسه وصار ينظر إلى الذهب ثم صاح: «هذا ألطف ما في هذه الدار»، ووصلنا إلى تمثال إلهة الجمال الفريدة في العالم أجمع فسألت دليلنا: ماذا تساوي هذه الصورة إذا بيعت؟ فقال إنها تساوي ثروة أغني رجل في العالم، تساوي كل ما يملكه الإنسان، تساوي ما يقدره لها حائزها ويطلبه ثمنا لها إذ لا حد لقيمتها.» •••
ومثال الجمال عند قاسم مجسم في المرأة، وإذا كانت الموسيقى وكان التصوير وكان التمثيل وكان كل مظهر من مظاهر الفنون الجميلة محببا إليه فإن مصدر الوحي الذي تصدر عنه هذه الآثار جميعا هو المرأة، هي التي تجعل للطبيعة وما فيها جمالا لأن عيونها تقع عليها، وهي تلهم الرجل هذا الجمال لأنها تحب الزهر وعطره والنسيم وأرجه والقمري وشدوه ولأنها تحب كل جميل.
وقد لا ترى ذلك واضحا صريحا في كتب قاسم، ولكنك تراه واضحا في عباراته الملتهبة عن العشق والحب، وفيما قدمنا من عباراته في تحرير المرأة وفي الكلمات ما ينهض دليلا على رأينا، وأكثر منه في الدلالة قوله: «كلما أردت أن أتخيل السعادة تمثلت أمامي في صورة امرأة حائزة لجمال المرأة وعقل الرجل.» وقوله: «الحب إحساس عميق يستولي على النفس كلها ويجعلها محتاجة إلى الاختلاط بنفس أخرى احتياجا ضروريا كاحتياج العليل إلى الشمس والغريق إلى الهواء، نار تلهب القلب لا يطفئها البعد ولا يبردها القرب بل يزيدها اشتعالا، نظرة في عيون محبوبته تملأ قلبه فرحا وتجعله يتخيل أنه ماش في طريق مفروش بالورد أو راكب سحابة وطائر في المرتفعات العالية، فوق فوق قريب السماء.»
وهو - وذلك إيمانه الصحيح - قد رأى أن المرأة التي تستطيع أن تلهم الرجل كل هذه المعاني السامية وأن تفيض على الفنان بالوحي وعلى غير الفنان بأسباب السعادة التي تحبب إليه الحياة والعمل فيها ليست هي المرأة الجاهلة المحجوبة؛ لذلك دعا دعوته لتحرير المرأة من رق الجهل ورق الحجاب لتكون مبعث السعادة للناس جميعا. •••
অজানা পৃষ্ঠা