والوجه الثالث: أنه أشار إلى الأرواح الطاهرة السماوية التي تنام على طهارة يؤذن لها فتعرج وتسرح ثم تعود فإذا فارقت الجسد صعدت، وأما أرواح الكفار والفجار فلا تصعد وإذا فارقت الجسد أودعت في الأرض السفلى؛ لأنها لم تنْزل من السماء.
فإن عدلوا عن هذه الوجوه وأجروه على ظاهره، قلنا لهم: فقد صعد إلى السماء / (١/١٦٧/أ) من لم ينْزل منها وهو إدريس الذي يسمونه خنوخ١.
وناسوت المسيح أيضًا لم ينَزل من السماء وقد صعد إلى السماء، فإما أن يتأولوا الخبر وإلاّ أخرجوه إلى الكذب.
فإن قال النصارى: لم يزل يسوع متجسدًا، أكذبتهم نصوص الإنجيل والأمانة إذ تقول: "إنه أخذ جسده من مريم ﵉، وقال في الإنجيل: "هذا مولد يسوع المسيح"، فحكم بأنه مخلوق".
١٤ سؤال رابع من المعضلات: روى النصارى عن المسيح أنه قال: "إن إبراهيم الخليل اشتهى أن يرى يومي فرأى وفرح، فقال له اليهود: لم يأت لك
١ أخنوخ: اسم عري ومعنا: (مكرس أو محنك)، وهو ابن يارد، وقد ذكر في التوراة أنه عاش في طاعة الله ثلاثمائة وخمسًا وستين سنة، ثم لم يوجد بعد ذلك؛ لأن الله أخذه. (سفر التكوين ٥/٢-٢٤) . وفسر ذلك بأن الله نقله لكي لا يرى الموت. (ر: قاموس ص ٣٢) .
وقال الإمام ابن كثير: "إن إدريس ﵇ هو خنوخ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ . [سورة مريم، الآية: ٥٦-٥٧] . وقد كان قبل نوح ﵇، ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أوّل من تكلم عن الخطّ بالرمل، ويسمونه هرمس الهرامسة. ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء الحكماء والأولياء" اهـ.
(ر: قصص الأنبياء لابن كثير ص ٥٨، وراجع: قصص الأنبياء للنجار ص ٢٤، والنبوة للصابوني ص ٢٤٣) .