وللنبي - عليه السلام - حديث آخر يورده المؤلف في هذا الموضع نفسه من السياق، وهو يحدد لنا خصيصة من أهم ما يميز العالم؛ إذ يقول: «لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم، فقد جهل.» وهو قول يقطع بأن العلم طريق يسار عليه، وليس نهاية يوصل إليها، فالعلم منهاج قبل أن يكون نتيجة مقطوعا بصوابها، العلم تيار متدفق، كل موجة فيه تتبعها موجة، في حركة تدوم ما دام للعقل نشاطه. العلم لم يقصره الله على فرد ولا على جيل ولا على عصر ولا على أمة، ففرد من الناس يكمل ما أنجزه فرد آخر، وجيل يواصل طريق الجيل الذي سلف، وعصر يصحح عصرا، وأمة تتكامل بنتاجها العلمي من نتاج سائر الأمم. إن للكون كتابا صفحاته تعد بالملايين، فما عليك - أنت العالم - إلا أن تقلب في صفحاته ما تستطيع، وأنت أنت العالم ما أخذت تسأل وتستطلع وتبحث وتقع على جواب جزئي هنا وعلى جواب جزئي هناك، ثم يمضي عهدك ليتابع خلفك السير على الطريق، فإذا ظن أنه قد أتم العلم بفرع من المعرفة كان ذلك برهانا على أن بصره قد قصر عن رؤية الأبعاد والأعماق، أفيكون هذا هو تراثنا، ثم نتلفت حولنا في حياتنا العلمية فنرى أدعياء العلم يعدون بالألوف، ولا نكاد نقع على العالم الذي أشرب بتراث السلف، بحيث يزن قيمته العلمية بميزان متابعته لطلب العلم، لا بالقليل الذي حصله، ومحال أن يكون قد حصل إلا القليل.
لقد قرأت منذ أعوام طويلة مقالة لأديب هندي، لا أذكر اسمه ولا عنوان المقالة ولا أين قرأتها، لكني أذكر مضمونها، ولعل ما قد حفظته في ذاكرتي شدة غرابته في تقديري عندئذ، فقد كان الكاتب يبحث في الصفة الهامة التي تجعل من المثقف مثقفا على أرفع مستوى، وبعد أن طفق يفرض الفروض ويفندها، رسا على فرض لم يجد عنده ما يفنده، وذلك هو أن صفة المثقف الأساسية الأولى هو أن يكون طلعة دائما، متسائلا دائما، طالبا للحقيقة في هذه المسألة أو تلك، فهو مثقف بمقدار ما تؤرقه هذه الجذوة التي تدفعه إلى طرح الأسئلة ومحاولة العثور على إجابات لها. كان هذا الرأي غريبا علي عندئذ - وربما لبثت معي غرابته حتى هذه الساعة - لكني إذا ما ترجمت هذه الصفة إلى لغة أخرى تساويها في المعنى، وإن اختلفت عنها في الأداء، هي اللغة التي سبق بها الحديث الشريف الذي أسلفناه وهو الحديث الذي يحدد رجل العلم بصفة الطلب للعلم لا بصفة الوصول إلى نتائج بعينها يحسبها مقطوعا بصوابها. أقول إني إذا ما ترجمت فكرة الأديب الهندي إلى لغة الحديث الشريف، ألفيت الأمر قد بات أوضح من أن يثير الدهشة والتعجب، فالمثقف هو من ظل يلح في السؤال، والعالم هو من لبث يلح في البحث، بل إن الحياة نفسها حين تغزر أغوارها في نفس الإنسان، إن هي إلا هذا الإلحاح في السؤال والإلحاح في البحث. وها هنا نورد نقلا عن كتاب الياقوتة من العقد الفريد قولا لأبي عمرو بن العلاء، حين سأله سائل: هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ فأجاب قائلا: «إن كان يحسن به أن يعيش، فإنه يحسن به أن يتعلم.»
لقد اشتملت مجموعة الأقوال التي أوردها ابن عبد ربه عن العلم والعلماء - على قلة صفحاتها - خطوطا رئيسية تصلح أن تكون دستورا للحياة العلمية كلها، منهجا ومعيارا، فهذا هو يروي فيما يروي، قولا عن ضرورة الشك لمن التمس اليقين في أية مسألة يطرحها للبحث، فقد سئل عالم لماذا يكثر من الشك؟ فأجاب: «محاماة عن اليقين». وسئل عالم آخر عن حديث، فقال: «أشك فيه»، فقال السائل: «شكك أحب إلي من يقيني.» فماذا تريد للروح العلمية الصحيحة معيارا أصلح من هذا المعيار، وكيف يكون هذا ما رسمه الأسلاف طريقا، ثم نفغر أفواهنا من الدهشة حين يقول لنا قائل إن أعلام المنهج العلمي في الغرب يطالبون بأن نشك أولا حتى يأتي اليقين محضا؟ انظر فيمن حولك تجدهم - حكما بما يقولون وما يفعلون - يطمئنون إلى صاحب التصديق السريع، ويقلقهم أن يقف متشكك ليتساءل قبل أن يجزم بالصواب، فسريع التصديق عندنا أقرب إلى الملائكة، والمتشكك أقرب إلى الشياطين، وما هكذا روح الحياة العلمية، وما هكذا تراثنا في تحديده للقيم.
إننا إذ نقول: يجب أن نحيي تراثنا لنحياه، ابتغاء التميز بطابع يصل حاضرنا بماضينا، فليس المراد هو أن نعيد طباعة الكتب لتوضع على الرفوف، بل المراد هو أن نعيش مضمونها على نحو يحفظ لنا الأصالة، ولا يفوت علينا روح العصر، وإن لنا لتراثا عن العلم والعلماء، يكفل لنا أن نتقدم في ثقة مع المتقدمين، موضوعنا علم حديث، وخصالنا من إرث عزيز.
الفصل العاشر
شيء عن الإنسان
(أ) نموذج الإنسان في تراثنا
إن الأمر كثيرا ما يختلط علينا إذ نقرأ لأسلافنا ما كتبوا، فنسأل: ترى هل كانوا يرسمون بأقلامهم صورة معاصريهم، أو أنها صورة رسمت لتصلح في المعاصرين فسادا؟ ترى هل حاكوا الواقع أو تصوروا المثال؟ وأيا ما كان شأن الأسلاف الكاتبين، حينما كتبوا عن الإنسان كيف كان أو كيف ينبغي له أن يكون، فها أنا ذا أمام تحليلات هبطت منهم إلينا، ولو نشرت أمام أبصارنا نحن أبناء هذا العصر، لوجدنا فيها - يقينا - صورة الكمال الإنساني، التي تصلح معيارا نقيس إليه واقع الإنسان المعاصر، لنرى كم بلغت في سلوكه زاوية الانحراف، نعم، إن هذه التحليلات التي أعنيها، تفوح برائحة اليونان الأقدمين، كأنما تلك - في مواضع كثيرة - تلخيص لهذه، لكن القبول نصف الابتكار، فيكفينا في هذا الصدد أننا قد قبلنا الصورة الكاملة معيارا لنا، قبلناها عن اعتقاد ورضى، وأجريناها على أقلامنا جزءا من تراثنا، وليس يحد من كمال الكامل أين يكون مصدره.
المدار في نموذج الإنسان الكامل عندهم هو أن يكون «عاقلا» بالتعريف الفلسفي الدقيق لكلمة «عقل»، فهي كلمة ما أيسر أن نقولها في سياق الحديث، ولكن ما أعسر أن تجد لها التحديد المحكم، ولئن كانت الفكرة كثيرا ما يوضحها نقيضها، فنقيض العقل هو «الهوى»، فماذا يميز أحكام «العقل» من أحكام «الهوى»؟ يميزها أن الحكم من النوع الأول هو في كل حالة معينة واحد لا يتعدد بتعدد الأشخاص، أو بتعدد النزوات عند الشخص الواحد، على حين أن الحكم من النوع الثاني يقبل التعدد بكلتا الصورتين؛ فإذا قال قائل إن العشرة نصفها خمسة، لم يكن ثمة مجال أمام غيره، ولا أمام نفسه أن يتنكر لهذا القول، مهما تكن ظروفه ومزاجه. وأما إذا قال قائل إن شروق الشمس أجمل من غروبها، كان هنالك احتمال أن يختلف معه سواه، بل أن يختلف هو نفسه مع نفسه إذا تغيرت حالته. والعلة في وحدانية الحكم العقلي، وفي تعدد أحكام الهوى في أن حكم العقل نقيضه مستحيل على الذهن أن يتصور حدوثه، وأما حكم الهوى فيمكن أن نتصور حدوث نقيضه.
ذلك استطراد أردت به أن أوضح للقارئ ماذا يراد حين يقال إن أساس الحكم لإنسان بالكمال عند المفكرين من أسلافنا، هو أن يكون مقيدا بعقله إزاء الأشخاص والأشياء والمواقف، وقد كان من الأفكار المألوفة عند هؤلاء المفكرين جميعا، فكرة جاءتهم من اليونان الأقدمين مع الترجمة التي نقلوا بها تراث أولئك اليونان، وهي أن يقاس كمال الشيء بأدائه للفعل الذي خلق من أجله، فشجرة البرتقال كمالها ليس هو نفسه الكمال بالنسبة إلى شجرة الورد، وكمال النمر أن يكون نمرا وكمال القط أن يكون قطا، ولا يجوز أن يحاسب نوع بكمال نوع آخر، وعلى هذا الأساس نفسه يكون كمال الإنسان مرهونا بجوهره، وجوهره هو العقل، فأفضل الناس هو أقدرهم على التزام أحكام العقل فيما يفعل وما يجتنب «من غير تلون فيه ولا إخلال به في وقت دون وقت» كما يقول ابن مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق».
অজানা পৃষ্ঠা